مستخدم:Hasanisawi/هايدجر

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
مارتن هايدغر (1889-1976) فيلسوف الماني كان مساعد للفيلسوف لادموند هوسرل مؤسس الفينومنولوجيا, ومن ثم اصبح مدرس في جامعة ماربورغ. وجه اهتمامه الى مسائل مثل الوجودية والحرية والحقيقة.
الوجودية فكر فلسفي ظهر في بداية القرن 17 كرد فعل على الفلسفات التقليدية والميتافيزيقية والاديان والقيم الاجتماعية التي حرمت الانسان من حريته الفطرية.
اثر هايدجر على الكثير من فلسفات القرن العشرين مثل الوجودية, التفكيكية , ما بعد الحداثة. من اهم إنجازاته انه عاد توجيه الفلسفة لمسائل الوجود وخصوصا الكينونة , وأبعدها عن الميتافيزيقيا.
هايدغر قام بتدريس مواضيع فلسفية مختلفة, ولا سيما أنطولوجيا القرون الوسطى. فترة انفصاله عن هوسرل، تحققت في عام 1927 في كتابه: الكينونة والزمن، بالرغم من ان هذا العمل كان مكرس لاستاذه, لكنه كان تطبيق أصلي جدا للفينومنولوجيا. وتم تفسير هذا العمل كهبوط نحو الوجودية، لأن فيه آثار عميقة لمواضيع وجودية, التي كانت منشرة في تلك السنوات، في فرنسا، على أعقاب مفكرين مثل [[كيركيغارد]]، نيتشه، ديلتهاي، برغسون، شيلر وغيرهم (ولا سيما عمل سارتر، الوجود والعدم، في وقت لاحق).
إن فلسفة مارتن هيدجر«  ليست فلسفة وجود إنساني وإنما هي فلسفة وجود عام, ولذلك نجده يرفض تسمية "الوجودية"، ويحرص ان تسمى أونطولوجيا. اي انها تدرس مقومات الوجود الإنساني عموماً، وليس تعبير عن صفات الموجود الفردي. ومِن أهم هذه المقومات: " الوجود في العالم"، " والوجود مع الآخرين"، والنزوع المستمر نحو" التعالي" أو" المفارقة" . ومن هنا يتضح لنا تمييز أساسي بين ميدان الوجود، وميدان الموجود، أو بين الوجودي( الأنطولوجي) وبين الموجودي. فالانطولوجي يرجع إلى ما يجعل الموجود موجوداً، أي يرجع إلى تركيبه الأساسي. أمّا الموجودي فيشمل الموجود كما هو معطى. إن المثل الأعلى لفلسفة هيدجر، التي يغلب عليها طابع" المباطنة" أو" الكهون" في العالم، وتصر على رفض أي عون يأتي من أعلى لتحديد أصالة الإنسان وحقيقة وجوده؛ هو" الوجود الأصيل ولا شيء سواء". وقد أراد هيدجر أن يفهم" الوجود" بصفة عامة، إلا أنه يرى في كينونة الموجود البشري سبيلاً مشروعاً لفهم حقيقة الوجود بوجه عام. إنه يقرر أننا لا نفهم الوجود إلا عن طريق وجودنا أو في صميم كينونتنا، وبهذا المعنى يمكن القول بأن الأونطولوجيا هي وجودنا نفسه. إن هيدجر يريد أن يقصر كلمة" الوجود" على الإنسان، فنراه يقول:« إن الحيوان" يحيا"، والموضوعات الرياضية" تبقى"، والأدوات المادية" تظل" تحت تصرفنا، ومظاهر الطبيعية" تتجلى" أمامنا، ولكن الإنسان وحده هو الذي" يوجد" بكل ما في كلمة" الوجود" من معنى». وقد أكد على دور الآنية في أنه يقتصر على الاستماع إلى نداء الوجود نفسه ويصبح" راعي بيت الوجود". [1]

لمحة تاريخية

بدأت الحداثة بمشروع حضاري في القرن ال 16 للتخلص من الإقطاعية التقليدية, وفي عصر التنوير تحولت الى عقلانية التطور العلمي للسيطرة على الطبيعة, وفي القرن ال 19 استحالت الى مفاهيم فنية عارضت الكلاسيكية وانفتحت على الابتكار والتجريب. وتبلورت بعد الحرب العالمية الثانية لتلائم نجاح الرأسمالية في امريكا ومن ثم اوروبا وأخيرا جنوب العالم بهدف عزل الكتلة الاشتراكية.

نقد الحداثة

منذ الخمسينات بدأت تداعيات مشروع الحداثة في طغيان العقل وتراجع الروح وحيرة الكائن ومصادرة إمكانياته. وما تبعها من أحداث كحرب فيتنام وثورة الشباب في فرنسا 1968, والأزمة الاقتصادية في السبعينات, وتراجع التجارب الاجتماعية في اوروبا, وسقوط النموذج الاشتراكي. كلها أدت الى انهيار احلام الحداثة في اشكالها السابقة. ولذلك ظهرت تيارات فكرية رفضت الإبستمولوجيا الغربية للحقيقة, القائمة على يقينية التنبؤ؛ وتمردت على أسطورة الذات؛ وعلى نقد المنطق الكلي في السياسة والأخلاق وما يتبعه من أنظمة متسلطة؛ وعلى معارضة ميتافيزيقية التفكير الفلسفي المتحصنة بوهم المعرفة اليقينية.
فالحداثة تخلت عن قوتها النقدية , وأصبت العقل الأداتي، لخدمة السلطة ورأس المال, وبهذا تحولت أسطورة العقلانية النفعية الى قوة مادية. [2]

مفهوم الوجود في الفلسفات السابقة على هايدجر

الوجودية كسائر فلسفات القرن العشرين انتقدت الفلسفات السابقة المثالية التي كانت تربط الإنسان بالمطلق. الفلاسفة الوجوديون مثل هايدغر وكيركغارد ارادوا التوجه إلى الإنسان بعظمه ولحمه, الإنسان الحي. وليس كما هو الحال عند هيجل الذي يحدثنا عن الإنسان وعلاقته بالمطلق.
ولتوضيح الفارق بين الهيجلية والوجودية, يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: (الموت مثلا ليس مشكلة فلسفية ، بل المشكلة هي ( أني أموت ) وفارق هائل بين أن أبحث في الموت بوصفه معنى عاماً مجرداً وبين أن أبحث في ( أنى اموت ) فيجب إذن ردّ المسائل إلى الموجودات ، والنظر إليها بوصفها موضوعات يعانيهـا الموجود نفسه ، وإذن فالذات الموجودة أو الذات الوجودية لا العقل المجرد - عند الوجوديين - هي التي يجب أن تكون العامل في إيجاد الفلسفة ) ص21.
هيدجر اعجب بالوجود الواقعي عند كانط الذي ندركه بحواسنا اولا وبالعقل ثانيا. واعجب اكثر بهوسرل لانه درس الاشياء ذاتها. وانتقد الافكار الفطرية عند ديكارت. الذي توصل الى معرفة اللة الكامل من خلال معرفته اليقينية بالأنا الناقص (البرهان الانطولوجي). وفي هذا الصدد قال هيدجر انه من غير الممكن معرفة الموجود من خلال ماهيته, لأن الوجود الماهية سابقا عليها. أي اننا نعرف ماهيتة عمر عندما نعرف تصرفات وأفعال وحياة عمر (هل ماهية عمر هي ما يدعى شخصية عمر).
على اية حال الفلاسفة السابقين تحدثوا عن علاقة الموجود بالعالم من وجة نظر ابستمولوجية, بينما يجب ان تكون انطولوجية حسب هيدجر.
هيجل اعتبر الوجود مطلق, اي مجرد من أي مضمون حسي او عقلي [3]. كما فعل بارمنيدس (وهنا لم افهم حلقة الوصل بين ديكارت وبارمنيدس) في مقولته عن الوجود. حيث يتحدث عن الاشياء الظاهرة للعيان, وحيث التفكير بالوجود هو نفسه التفكير بالموجود, وبدون انفصالية. ؟؟؟؟
كانت الفلسفات السابقة تبحث عن الوجود بينما كانت تعني به الموجود. مثلا ارسطو عرف الميتافيزيقا بدراسة الوجود بما هو موجود. . أي انه تحدث عن الميتافيزيقيا (الوجود), وقصد به الفيزيقيا ( الموجود) فأختلف المحمول والموضوع. [4] [5]
وبالتالي قام فكر هايدغر على نقد الفلسفة الغربيّة منذ نشأتها الإغريقيّة، حيث رأى أنّها أخطأت موضوعها, او سهت عن الفرق الأونطولوجيّ بين الوجود والموجود.
وأخذ على هذه الفلسفة أنّها صارت ماورائيّات، حيث جعلت الكائنات في عالمين، عالم المحسوس أي عالم الطبيعة phusis (فيزيقا)، وعالم ما بعد الطبيعة (ميتافيزيقا). ولذلك اصبحت الميتافيزيقا أونطوتيولوجيا (علم الكائن والإله). وتركيزهم على الكائن الناقص أدّى إلى القول بالكائن الكامل, مصدر الموجودات المحدَثة. ولكن تطور الفكر الفلسفيّ الغربي, كما يقول هيدجر, ادى الى انكار ما هو بعد الطبيعة, وأن المصدر, او الكائن الاول, ليس إلاّ أحدى الكائنات. وبالتالي توصل هذا الفكر الى نتيجة ان ليس هناك شيء بعد العقل، وانكار وجود عالمين: المعقول والمحسوس، وانّه مرتبط فقطه بالتجربة الحسية وان هدفه السيطرة على الطبيعيّة من خلال القوانين. ولكن الخلط بين الكون والكائن, حسب هايدغر, جعل الفلسفة الغربية تسير نحو العدميّة، وحول تنظيرها الميتافيزيقي، إلى تقنية للسيطرة على الإنسان. فما كان على هايدغر إلاّ محاولة العودة بالفلسفة إلى موضوعها الأصيل، وهو الكون. وهذا لا يعني التفكر في الكون بل بالكائنات التي يتجلّى فيها هذا الكون. وأقرب الكائنات للإدراك هو الإنسان (ديزين أو الآنية).[6]
الفلسفات السابقة كانت تركز على العلاقة بين الذات والموضوع بالمعنى الابستمولوجي, اما هيدجر فيريدها بالمفهوم الانطولوجي. حيث الانسان يندمج مع واقعه مباشرة. كما هو الحال عند هوسرل: العلاقة المباشرة بين الذات والموضوع. وليست علاقة الذات بالمطلق كما عند هيجل. ويختلف مفهوم العالم عند كلا من هيدجر وهوسرل, بان هذا الاخير يعتبره وسيلة للكشف عن الذاتية المتعالية, اما عند هيدجر فهو الوسط الحيوي للكشف عن واقعية العالم. ولذلك فقد سمى هيدجر الفينومنولوجيا, الهرمنيوطيقا [7]
الذات في فينومنولوجية هوسرل تتجه نحو الموضوع لتدركة, أما عند هيدجر فهي تستسلم للحضور الغير مقنع للاشياء لكي تتيح لها التجلي بوجودها. وبهذا تكون فينومنولوجية هيدجر قد استبدلت القصدية بمفهوم الحضور
هيدجر في كتابه الوجود والزمان يرى ان الموجود البشري هو السبيل الوحيد لفهم حقيقة الوجود. والفكر عنده ليس علاقة ذات حرة غير زمانية مع موضوع مجهول تحاول ان تنفذ الى سره, بل يقول اننا لا نفهم الوجود الا عن طريق وجودنا وفي صميم كينونتنا. ولذلك يقول ان الانطولوجيا هي وجودنا نفسه. واليونان هم اول من اهتم بمسألة الوجود ولكن هذا الاهتمام استحال الى مقولات لدراسة كيفيات الموجود.
تاريخ الفلسفة يُظهر لنا دائما مسألة البحث في الموجود, كما في فلسفة ديكارت وكانط وهيجل التي ظلت محكومة بميتافيزيقا أفلاطون وأرسطو, في التحرك داخل السؤال الميتافيزيقي نفسه: ما هو الموجود؟. [8]. اكتشف هيدجر ان الاهتمام بمشكلة الوجود انتهت - على يد أفلاطون ومن جاءوا بعده- إلى مجرد دراسة مقولاتية لفهم الأشياء أي انهم انصرفوا إلى تحديد كيفيات الموجود.
أما في العصور الوسطى فقد اقترن عجز الفلاسفة عن إدراك الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود بالنظر إلى الإنسان بوصفه (شيء) و(جوهر) يتمتع بكيفيات محددة ومندمجة في الزمان.
ثم جاء الفلاسفة المحدثون فنظروا إلى الإنسان نظرة عقلية مجردة منفصله عن العالم, إلا من خلال عملية المعرفة. وهكذا اعتبر الفلاسفة المحدثون علاقة الذات بالموضوع علاقة جوهرية وأساسية ولم يهتموا بإثارة مشكلة الوجود. بل نظروا إلى الوجود على أنه مقولة منطقية ومحمول, ربما يكون من أكثر المحمولات شكلية وتجريد. ومن تم كان الخطأ الأساسي للفلاسفة منذ أفلاطون أنهم ظنوا أن الوجود كيان موضوعي مفارق للذات. ففصلوا بينهما فظهر "موضوع" مستقل تماما عن الذات الديكارتية, التي حاولت بوهم اليقين أن تحتل مركز الكون. خلافا لذلك هيدغر -كما هوسرل ونتشه- رفض النظر الى الواقع من منظور ثنائية الذات والموضوع، ونظر إلى الوجود باعتباره الاثنين معا. حيث الذات تصبح مندمجة في الموضوع. ومن كان اهتمام هيدغر بالفلسفة اليونانية القبل سقراطية, التي لم تعان من انقسام الذات والموضوع ورأت أن الواحد هو الكل. فهدف عودة هيدغر القهقرى صوب هذه الفلسفة هو الكشف عن منبع الاندهاش الأولي وأصل التفلسف في الوجود.
إن عودة هيدغر إلى فكر أوائل الإغريق لا تعدو أن تكون مثولا أمام محكمة الفكر الصارم ومقتضياته. طالما أن بداية كل فكر إنما توجد في الفكر الإغريقي وطالما أن التفكير في الوجود يقتضي العودة إلى ما يدعوه "jean beaufret" بالمحور الملازم لكل تفكير فلسفي. فإذا كان هوسرل قد تحدث عن الرد الفينومينولوجي epochè , فهيدغر يتحدث عن عملية اجتثاث للفلسفات السابقة. بل ولكل الانطولوجيا الغربية. انطولوجيا نسيان الوجود.
تحدث هيدجر عن الوجود بطريقة جديدة , ليس بالطريقة اليونانية او تلك المتناولة في الفلسفة الحديثة, ليس الموجود من حيث هو عقل مطلق او تقني, ولكن في إشكالية الوجود. فما هو الوجود؟. هو تلك الموجودات التي تتجلي عنه وفيه. ومن هذه التجليلات يمكن اعتبار الانسان او الدازين, باعتباره الموجود الافضل من حيث ادراكه لذاته وللآخرين. او الدازين كما يسميه هيدجر , الكينونة او الآنية, المنفتحة على ذاتها وعلى العالم. الوجود ليس صفة من صفات الانسان او محمولا وانما هو اسلوب.
وبما ان الوجودية انطلقت من الإنسان الموجود (أو من وجود الإنسان), فما هو الإنسان ؟.
الفلسفة عبر التاريخ نظرت إلى الإنسان بطرق مختلفة, منها دينية , اجتماعية , سياسية ... الخ. أما في الوجودية فالإنسان هو هذا الكائن الموجود الذي لا يمكن تحديد صفاته او ماهيته منذ البداية, بل يجب ان يوجد اولا وبعد ذلك تدريجيا يمكن التعرف عليه عبر الزمان والتاريخ. الإنسان كما يقول سارتر ماهية الإنسان لا تتحدد قبل وجوده، بل يوجد أولا وثم يصنع بنفسه ما يشاء، فالإنسان في نظر سارتر هو مشروع منفتح على العالم وعلى المستقبل. فماهية الإنسان لا تتحدد حسب سارتر إلا من خلال وجوده وحياته وأفعاله واختياراته وعلاقاته، يوجد أولا ويلاقي ذاته وهو غير حامل لأية صفات أو ماهية قبلية. إنه شخص حر ومسؤول عن أفعاله واختياراته، فهو حر حرية مطلقة غير مقيدة بموانع وإكراهات. [9]. فماهية الشيء او طبيعته وأسلوبه في الوجود, هو ما يكون وكيف يكون, أي ان ماهية الشيء ليست ثابتة وكاملة التحقق, بل هي مرتبطة بحدوث الأشياء او باسلوبها في الوجود, فإن البحث عن الماهية هو البحث عن كيفية ظهور حقائق الأشياء في الوجود. [10]
راسل يقول ان الإنسان يشغل حيزا ...
قدمت تعرفات كثيرة لتحدد ما هو الإنسان, الفلسفة الوجودية لا تريد ان تجيب على هذا السؤال منذ البداية, ماهيات او اوصاف عن الانسان. تريد ان تقول لنا ان الموجود يوجد أولا ومن ثم نعرف بعد ذلك ما هو اصله وفصله.
ما هو مفهوم الوجود ؟. "ماذا عن الوجود؟" هو سؤال متضمن في السؤال : "لماذا كان ثمة موجود ولم يكن بالأحرى لاشئ؟". [11]
لقد أسست الميتافيزيقا الكلاسيكية مواضيعها ، كما نعلم ، على فكرة "الله" و "الخلود" و "المطلق" و "الحرية" و "الخير" و "القبلي" .. ، وهي المواضيع ذاتها المؤسسة لفكرة الوجود الإنساني وما يتعلق بذاته ووعيه وإنتاجه ، غير أن الإنسان ذاته لم يأخذ حقه الكافي من السؤال الفلسفي، أي : ما هي حقيقة الإنسان ووجوده ؟. [12]
هايدغر انتقد التعريفات السابقة للوجود , ابتدأ من افلاطون وحتى فلسفة القرن العشرين, بهدف تقديم تعريفا جديدا, خصوصا في كتابه الوجود والزمان. حيث يريد ان يعيد الفلسفة الى موضوعها الاصيل وهو الكون. ويقول هايدغر الفلسفة الغربية أخطأت موضوعها القائم بين الكون والكائن. بين الكون وجميع الكائنات المتجلية فيه. [13] لأن الفلسفات السابقة كانت تبحث عن الوجود بينما كانت تعني به الموجود. مثلا أرسطو كان يعني الوجود بما هو موجود. وقد أخذ هايدغلر على الفلسفة الإغريقية عموما انها صارت فلسفة ماورائيات, أي انها جعلت الكائنات على درجتين او في عالمين: عالم المحسوس (فيزيقيا) وعالم ما فوق الطبيعة, فكانت (ميتافيزيقيا). وهكذا تحدث ارسطو عن ثلاثة علوم: الرياضية والطبيعية والإلهية. الفلسفة الأولى هي التي تبحث في نظره في الميتافيزيقيا , اما الثانية في الفيزيقيا وعلوم الرياضيات. والثالثة ؟.

وكان من المحتم ان تكون الميتافيزيقيا انطوثيولوجيا, حيث التركيز على الكائن أدى إلى القول بأن هناك كائن أسمى هو مصدر الكائنات او واجب الوجود وهو مصدر الموجودات المحدثة, بعبار أخرى أرسطو رأى ان الفلسفة الأولى تدرس الموجود من حيث العلة الأولى ومصدر الموجود. فالموجود المتحرك لا تكون الا بدراسة المحرك له, الازلي الواحد ومصدر العلل. أي دراسة المبدأ الأول للوجود كعلة صورية غائية وليست مادية.


بعض قضايا الأنطولوجيا الرئيسية

تهتم الأنطولوجيا، بدراسة طبيعة الوجود، بالوجود وبالحقيقة بشكل عام، كما ايضا الفئات الأساسية للكيونة وعلاقاتها ببعض. بعض الأسئلة الأساسية التي تسعى الأنطولوجيا الاجابع عنها هي:
  • ما هو الوجود؟
  • الوجود هو خصائص واقعية للاشياء ؟
  • ما هي العلاقة بين الشيء وخصائصه؟
  • هل من الممكن تميز الخصائص الضرورية عن الخائص العرضية ؟
  • مشكلة الجوهر أو المضمون
  • ما هو الشيء المادي؟
  • ماذا يعني أن نقول إن الشيء المادي موجود؟
  • ماذا يشكل هوية الشيء؟
  • عندما الشي ينتهي من يوجد ، بدلا من ان يتغير ببساطة؟
  • مشكلة الماهيات

مواضيع للبحث

  • الوجود في العالم
  • الوجود مع الاخرين
  • الحرية وتجربة القلق
  • الوجود من أجل الموت
  • مشكلة الزمان ونظرية التعالي

الفلسفة الوجودية

تهتم بدراسة الوجود وتقول انه سابق على الماهية, وهذا الوجود لا ينكشف الا من خلال الوجود الخاص. ميز كارل ياسبرز في فلسفته الوجودية بين ثلاثة انواع من الوجود:
  • الوجود الانساني
  • العالم المحسوس
  • الترانسانداس
الانسان يدرك نفسه في العالم المحسوس وهناك تفاعل بهدف تحقيق انسجامه, وهناك عالم الصراع , وهناك عالم العلوم حيث لا يوجد تنازع. والانسان يجد نفسه بين هاذين العالمين, وعليه ان يجاهد من اجل لقمة العيش.
ابتعد هيدجر عن التفسيرات اللاهوتية المفارقة, واهتم بوجود النسان في العالم. التحليل الانساني عند هيدجر لا يمكن وصفه بالمثالي او الواقعي, بل هو تحليل لوجود خالص لا ماهية فيه. ولا يهتم بتحليل الحياة الفردية, لانها لحظة من لحظات الوجود الانساني ككل. وتتميز الوجودية عند هيدجر بانها تريد ان تخضع الانسان لمقولات جديدة, تهتم بشعور وانفعالات الانسان, مثل الهم والقلق. التي لم تتحدث عنها الفلسفات السابقة. وهذا الهم لا يعبر عن خوف الانسان من شيء معين, بل من المجهول. ولذلك يبحث الانسان في وجوده الخاصل للعثور على الاضمئنان من الوجود العام. ولكن هذا البحث يؤدي الى القلق والشعور بالوحدة. ولذلك فهو بحاجة الى الاتصال مع الاخرين. النسان عادة ما يتسائل من اين اتى والى اين ذاهب. وما معنى ان الحياة تنتهي بالموت.
التحليل الوجودي للطبيعة الإنسانية هو اولا تحليل للحالات الانفعالية. فالانفعالية هي الخاصية الأساسية للوجودية.
التحليل الانطولوجي يجب ان يواجه هذه الانفعالات كما فعل نيتشة والابتعاد عن المثالية التقليدية.
يقول هيدجر ان الحضارة والثقافة تؤثر على قلق الموجود. واكثر درجات القلق حدية هو الشعور بالعدم. ويقول ان الملل من الحياة اليومية يؤدي الى التفلسف. وهذا التفكير يمكن ان نجده في الامثال الشعبية وفي الشعر.
الفلسفة الوجودية تهتم بمسألة الحرية الانسانية. كمقدمة للتحيل الانطولوجي بشكل عام. وبالتالي العلاقة بين الوجود العام والوجود الخاص. وهذه العلاقة لا تتحقق الا في الزمان. برجسون اهتم بهذا الموضوع. الذي قال ان الزمان هو ديمومة. الذي قال ان كل الاشياء التي نبحث عنها متعلقة بوحدة واحدة هي الزمكان, حيث علاقة الزمان بالمكان كعلاقة الجسد بالروح.
الانسان عبارة عن مشروع يتحقق من خلال الزمان والأداة الت يستخدمها هي الحرية بهدف تحديد ماهيته. الحرية الانسانية هي حرية خالصة وتعبر عن ارادة الانسان في تحقيق الماهية التي اختارها لنفسه وبنفسه. القلق يحفز الانسان لكي يضع لنفسه مشروعات ليحققها. ليعرف نفسه ككينونة نحو الموت, فهو وجود نحو الموت.

مبادئ الفلسفة الوجودية

تقوم الفلسفة الوجودية على مبادئ عديدة تميزها عن باقي الفلسفات النقدية الأخرى ومن أهمها:
  • الإنسان هو أهم قضية في الحياة، وأن وجوده يسبق ماهيته، التي يشكلها هو نفسه، بقدر ما يعي ذاته ويحقق وجوده في الحياة.
  • الحرية تمثل المسألة الأساسية في وجود الإنسان, والتي هي أعظم صديق للإنسانية وأن الجبرية أعظم عدو لها.
  • تحرير الإنسان من قيود الحياة الاجتماعية والدينية.
  • الإنسان صانع مصيره وخالق أفعاله ومسؤول عنها، وبالتالي رفض الحتمية الاجتماعية أو الموضوعية العلمية.
  • حياة الإنسان منتهية لا محالة إلى الموت، وبه يحقق الإنسان اقصى إمكاناته، ولذلك يفكر بالقلق واليأس والعدم.
  • الإنسان يتكون من جسم وعقل ووعي، وهذا الإنسان يتفاعل مع كل معطيات الحياة من حوله في سبيل تحقيق ماهيته وشخصيته الإنسانية.
  • المعرفة هي حركة في الشك، ورغبة في التعرف إلى الإمكان، لتحصيل الحقيقة، التي هي تجربة حية يعيشها الإنسان في الواقع في حياته ومرادها العقل والعواطف معاً.
  • القيم الأخلاقية متنوعة وشخصية، والشخص حر في اختيار المعيار لمنظومته الأخلاقية، التي ترتبط بالحياة الشخصية وليس بالحياة الاجتماعية

هايدجر 2

هيدجر كان معجب بفينومنولوجية هوسرل ولكنه وظفها بطريقة مختلفة. هوسرل كان معني بمعرفة الذات, اما عند هيدجر فهي تتعلق باجتثاث مسألة الوجود من الفلسفات الما قبل سقراطية. هيدجر سمى فينومنولوجيته بالهيرمنيوطيقية. حيث حاول مثل ديلتاي ان يبحث عن منهج يكشف عن الحياة من خلال الحياة نفسها. ووجد في فينومنولوجية هوسرل منهجا يكشف عن الوجود, من خلال الوجود الانساني. رفض هوسرل في الفلسفة الغربية اعتبار الانسان محور الوجود, وبالتالي اعطاء الوجود دورا ثانويا يخضع فيه لهيمنة الذات ومقولاتها. الفينومنولوجيا كشفت عن أهمية الادراك القائم على المفاهيم القبلية على الظاهرة. وهذا ما اعتبره هيدجر الوسط الحيوي الذي يجعل الانسان يدرك وجوده على الشكل الاكمل.
الفرق بين هيدجر وهوسرل يكمن في ان هذا الاخير وجه الذات الى الموضوع, بمعنى ان العالم موجود هناك مستقل عني وبالتالي يتبين ان العلاقة بين الإنسان والعالم هي علاقة انفصال وليست اتصال ودمج كما هي عند هيدجر. الوجود الواقعي المغموس في الحياة. هدف هذه العلاقة عند هوسرل, هو معرفي, اما عند هيدجر فهو انطولوجي. أي ان الانسان يدخل في علاقات مباشرة مع العالم, فلا يوجد فرق بينهما.
وسميت الوجودية كذلك لانها تعتقد ان الوجود سابق على الماهية, من حيث ان الانسان حين يأخذ موقف خاص به من الاشياء فهو يصنع نفسه، فأسبقية وجوده تشير إلى انه حر. الحرية تكون مطلقة عندما الماهية لم تتحقق بعد. خلافا لذلك فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر ذهبوا الى أن "الماهية سابقة على الوجود " .. وان للإنسان طبيعة عامة. الوجودية ترفض "الشمولية" ومعها كل القيم الإنسانية الكلية. [14]. الوجودية لا تريد ان تحدثنا عن الانسان المطلق, ولكن الانسان بلحمه ودمه. وبالتالي فهي تنطلق من وجود الانسان, الدازين, الكائن الموجود كحقيقة منفتحة على العالم "بقصدية شعوره", الكائن الوحيد الذي يهتم بوجوده ويقلق بشأنه. الذي يوجد اولا ثم بعد ذلك تدريحيا نعرف من هو.
الوجود في العالم هو من اول مقومات الكينونة البشرية.

الاداة

الاداة, مثلا المطرقة الابرة القطار, تكشف لنا عن حقيقتها من خلال استعمالها.يقول هيدجر : «كلما كانت الأداة أكثر طواعية لليد، بقيت غير لافتة للانتباه ». فالمطرقة المكسورة تحيلنا إلى ذاتها، وليس إلى سياق الاستعمال. واللغة لا ننتبه لها في العادةِ لأننا نعيش فيها ونألفها بوصفها أداة. وحسب هيدجر، انخراط الشيء في الأداتية يؤدي الى غيابه وتلاشيه في الغايات التي يحققها. ولكن ماذا لو توقف الشيء عن أن يكون أداة؟. في كتابه أصل العمل الفني يضرب هيدجر مثال عن (المطرقة)، فهي أداة، ولا يمكن التنبه اليها طالما وجودها في متناول اليد، إلا في حالةِ توقفها عن أن تكون أداة: كأن تنكسر مثلا. إن المطرقة المكسورة، حسب هيدجر، فيها من «المطرقية ــ إذا جاز التعبير» أكثر مما في المطرقة الصالحة!، وتناول بالمثل حذاء الفلاح في لوحة فان جوخ. [15]. وفي هذا الصدد يقول هيدجر أن الأشياء لها حضور "حقيقي" في الفن, وتكون أكثر واقعية. [16]
فالمطرقة لا تفرض السندان, بل تفرض الحداد, والابرة لا تفرض الخيط بل تفرض الحائك. ووراء الاستعمال ما سماه هيدجر الاحالة.
كيف اتصور علاقتي بالعالم ؟, هي علاقة اتصال وليس انفصال, فانا عندما اتكلم عن نفسي فانا اتكلم عن الموضوع. علاقة قوامها الشعور والقلق
امكانيات الانسان ؟
الانسان اجتماعي بطبعه, فلا مجتمع بدون افراد ولا العكس.
عند هوسرل الاخر هو موضوع تجربتي, الوحدة الذاتية المتصلة المتعالية, فكرة توحيد البشرية وثقافاتها. أما عند هيدجر فهو الوجود مع الاخري.
هيدجر نقد الحياة الجماعية المبتذلة, ونقض الفضول, ودعى الى الوجود الاصيل والذات الحرة. حيث الذات مسؤلة عن افعالها.
الاغتراب ؟. هو الضياع في الحياة الاحتماعية اليومية , ومل يملى عليه ان يفعله.
هيجل وعلاقة السيد بالعبد. ويجب تغير هذا الحال وليس بالسلاخ وانما بالتفكير والوعي وبحقيقة الوجود. لكي تزول حالة الاغتراب.
كانوا يخوضوا في الموجود البشري بانه عقل او جسم او مجموعة ملكلت, ماذا يريد هيدجر ؟. هي الانفعالات والشعور كما ديلتاي



فلسفة هيدجر توجهت نحو الإنسان لتناديه بصوت صامت، بنداء الضمير. معاناة هيدجر الوجودية جعلته يتحدى، وبكل جراءة ، كل الأسئلة الميتافيزيقية الكلاسيكية.[17]
نجد في فلسفة هيدجر (والوجوديين عامة) تعريفاً للموت بأنه نمط من الوجود الإنساني وما يتعلق بذلك من معاني الاغتراب.

نداء الحقيقة

الوجود الذي يقصده هيدغر هو من ناحية امكانية الانسان على تحقيقه بالتصميم والتجمع او يخطئه بالتراخي والضياع بين الناس. ومن ناحية اخرى هو شيء بسيط غير محدد فارغ من اي مضمون. وعلى الانسان ان يقفز القفزة التي تنقله من الوجود الغير اصيل الى الوجود الغير اصيل الذي يعيش فيه معظم حياته. وهذه القفزة لا تحتاج الى تصعيد القوة الحيوية كما عند نيتشة, بل في تحول كامل يؤدي بالذات الى انتشال نفسها من السقوط في ابتذال الحياة اليومية والضياع بين الناس. [18]
الوجود ليس الموجود وليس بموضوع, فكيف يمكن تصوره ؟. ولأن الميتافيزيقا انشغلت منذ نشأتها بمسألة الوجود, فقد احتلت المرتبة الاولى في فلسفتة هيدجر. ولكن ليس كما عني به ارسطو الذي ظل يبحث عن الوجود بينما يعني الموجود. هيدغر يريد ان يتجاوز الميتافيزيقا التقليدية, ولهذا ذهب الى ما قبل نشأتها, الى افلاطون وارسطو وخصوصا الى هيراقليطس , والعودة الى منبع الاندهاش أطفأه التفكير المنطقي اللاحق. هيدغر يقر بفكرة التناهي ولكن ليس في نهائية المعرفة ومحدودية العقل, ولكن في بالهاوية التي يتجمع فيها القلق والذنب والسقوط واحساس الانسان بمونه المحتوم. فلسفة هايدغر عسيرة ومعقدة وفي كثير من الاحيان لا يمكن ترجمتها لانها تعبر عن فكرة مستمدة من نفس التعابير, ولعل صعوبته تعود الى أصالة الموضوع الذي واجهه. في لغته الجديدة حاول استخدام مصطلحات مثل الآنية بدلا من الذات والموضوع ومشكلة العالم الخارجي. من الصعب تثبيت هيدجر على مسامير الشعارات الجاهزة والقضايا المحددة, لأن حركته الفكرية في تطور وصيرورة مستمرة.

طريق الفكر

يبدا هايغر محاضرته لتفسير نص من نصوص المعلم الاول , قائلا ولد ارسطو تعب ومات, ويبرر ذلك بان حياة الفيلسوف ليست الا تجربة فكرية على طريق الحياة, وهذا يعني ان الفكر والحياة شيء واحد. وهب هيدجر الحياة للعمل وحده, فكان العمل هو الحياة: ملل ورتابة لا حد لها من الخارج , وثورة لا حد لها من الداخل. فسر نصوص الفلسفة اليونانية بدون افكار مسبقة شأن كل منهج ظاهرياتي (فينومنولوجي) دراسته لكتاب البحوث المنطقية قاده الى الفيلسوف النمساوي برنتانو ورسالته عن المعاني المتعددة للوجود عند ارسطو. دراستهة للاهوت حتى وإن تخلى عنها بعد اربعة فصول اثرت على افكاره حول الميتافيزيقا. تأثره بالبحوث المنطقية لهوسرل ادى به الى التساؤل عن المنهج الفكري للفينومنولوجيا. الذي يدور حول دحض النزعة النفسية وأن التفكير والمنطق لا يمكن ان يقوم على نسبية علم النفس. والجزء الثاني من فينومنولوجيا هوسرل كان يتناول الوصف لافعال الوعي الخالص التي تنبني عليها المعرفة. وهنا سأل هيدجر نفسه انها النزعة النفسية مرة اخرى, والا فلماذا ذهب هوسرل الى الحديث عن افعال الوعي. ولكن الأمر الذي لاشك فيه ان الفينومنولجيا الخاصة ارادت ان تكون فلسفة كلية وعلما تتأسس عليه جميع العلوم. وأنها تقوم بالذاتية الخالصة لاصدار احكام المعرفة والقيمة والفعل. وكما يقول هيدغر انها ميتافيزيقا الذاتية. ولكن شكوك هيدجر حول المنهج الفينومنولوجي اوصله الى التعرف على هوسرل بلحمه ودمه. وهنا المبحث السادس من البحوث المنطقية ساعد هيدجر في تمييز العيان الحسي والعيان المقولاتي في رؤية مشكلتة القديمة حول معاني تعددية الموجود- ورأى أن هذه المعاني هي الوجود بالقوة وبالفعل، الوجود الصادق والكاذب، والوجود بالذات وبالعرض، والوجود حسب المقولات [19]- حتى لمع في خاطره أن هذا الذي يظهر نفسه بنفسه والذي حاولت الفينومنولوجيا وصفه وصفا خالصا, كان قد تناولته اليونان ووصفوه بالأليثين (او اللأ تحجب). ومع ذلك بقي في ذهن هيدجر السؤال: ما الذي يحدد تجربة الاشياء ذاتها في الفينومنولوجيا, ؟. اهو الوعي وموضوعيته, او هو وجود الموجود في تحجبه واختفائه. وهكذا توصل هيدجر الى صياغة سؤاله عن الوجود. بعد ان تحرر من الملل الاكاديمي , واصبحت فكرا ينبع من حقيقة "وجودنا في العالم ", تفتش عن المعنى الكامن في كل موجود. حيث الغاية ليست العلم والمعرفة بل السعي نفسه. ولم يعد هيدجر يتكلم عن المثل الافلاطونية كشيء مضى, بل مشكلة حاضرة حية. ويقول هيدجر الطريق كل شيء اما الهدف فلا شيء.


السؤال عن الوجود

الوجود عند هايدغر لا ينفصل عن الحقيقة (او الأليثين- Aletheia) التي بمفهومها اليوناني تعني اللاتحجب. لأن كل تعامل او حكم على الموجود لا يتم الا اذا ظهر عن تحجبه. فهل قصد هايدجر باللاتحجب , الأنا المتعلي ؟. هايدجر يجد في تفسير الفلسفة اليونانية ان الأنسان ليس مركز التجربة ومحورها بل هو الموجود اللامتححب.
لقد صرح هيدجر ان السؤال عن الوجود هو الذي حرك فكره

السؤال عن الوجود في افق الزمان

في كتاب الوجود والزمان يتحدث هيدجر عن الآنية (او الدازين- Dasein). ويعني به الموجود الانساني الذي يبقى دائما على علاقة بالموجود, ويتميز عن سائر المخلوقات بفهم هذا الوجود والسؤال عنه.
هيدجر سلط ضوء جديد على تاريخ الميتافيزيقا من افلاطون حتى نيتشة, وأكسى الفينومنولوجيا ثوب انثروبولوجي جديد , تعذر على رائدها هوسرل التعرف عليها.
كتاب الوجود والزمان كان بداية انقلاب جديد في الفكر الفلسفي. ومن المهم في هذا الكتاب معرفة الهدف الأساسي: السؤال عن الوجود, وارتباطه بمشكلة الزمان. لأن الزمان هو الافق الذب نطل منه على مسألة الوجود.
الكتاب مقسم الى قسمين: الاول يتناول تفسير الآنية, من جهة الزماني, وتفسير الزمان بوصفه الافق الترانسندنتالي للوجود. أما اقسم الثاني فيشرح المعالم الرئيسية "للتحطيم الفينومنولوجي" لتاريخ الانطولوجيا على هدى من مشكلة الزمانية.
بدأ هيدجر من محاورة السفسطاني للاجابة على سؤال قديم قدم الميتافيزيقا. وهو لا يعني ان يصلنا بالتاريخ, بل يريد تصفيته مما يشوبه.
هل يمكننا ان نسأل عن الوجود ومعناه , إن لم نسأل اولا عمن يطرح السؤال ونحلل مقومات وجوده ؟. السائل يتفرد عن غيره من الكائنات الى انه الموجود الذي يهتم بوجوده. وتحليل الآنية لا يتم من خلال تأملات انثروبولوجية او نفسية او اجتماعية, بل الهدف هو التعرف على ماهية السائل.
ويصف هيدجر هذا السؤال بالأنطولوجيا الأساسية التي تريد تحليل اسلوب وجود السائل وتبين مقومات وجوداته. من حيث هو الوحيد الذي علاقة دائمة مع نفسة, اي ان له خاصية التواجد. التي لم تفطن لها الانطولوجيا التقليدية.
المهمة الرئيسية للسؤال عن الوجود تقوم على تحليل الآنية من جهة و تحطيم تاريخ الانطولوجيا من ناحية اخرى.
ومن الصعوبة بمكان ان نقول شيءا عن الآنية, لأن العالم يغرينا بما نعرفه ونكرره في حياتنا اليومية.
هايدجر يقترح طريق دائري يبدأ بالموجود وينتهي بالوجود, ومن ثم يبدأ مرة اخرى بتحليل الآنية بعد أن حدد الوجود.
ماذا يقصد هايدجر من تحطيم تاريخ الانطولوجيا ؟. يقصد ان الآنية محتضنة في التراث والعادات والتاريخ بشكل عام, ولهذا نراها تترك مام امرها للتاريخ لاجتياز قراراتها الحاسمة, دون ان تكلف نفسها مشقة استشراف هذا التراث لاستشفاف وجودها التاريخي الخاص. فلا بد ازالة الحجب التي تراكمت على التراث والرجوع الى المنابع الاصلية للمفاهيم والمقولات التي شوهتها المذاهب المتوالية التي اهملت السؤال الرئيسي عن الوجود.
يؤكد هيدجر ان منهجه فينومنولوجي, ولكن ليس بالتصور الهوسرلي الذي يرد كل شيء الى الأنا الخالص (الذي يبقى حتى لو فني العالم). ويقول انالنطولوجيا ممكنة اذا اصبحت فينومنولوجيا. لأن الفلسفة هي انطولوجيا فينومنولوجية تبدأ من تفسير الآنية بوصفها مسار كل سؤال فلسفي.

الآنية وجود_في _العالم

الآنية يعني الموجود هناك في هذا العالم الذي يختلف عن الكائنات الاخرى [ان له علاقة مع ذاته وم الذوات الاخرى التي تشاركه هذا الوجود. وهذا الموجود ليس بسيط بل يجب تحليل بنيته لانه في سبيل التحقق الى ما يسمى بالوجود الاصيل. الذي ينفذ من قشور الوجود الزائف الذي يحيا به طوال حياته.
الشيء الذي يميز الموجود هو في قدرته على اختيار ذاته, وإن تقاعس او تردد فهذا نفسه اختيار. وهنا يتميز الوجود الاصيل عن ذلك الغير اصيل. br /> لأن الذات تفهم نفسها من خلال تواجدها وفي امكانياتها ان تكون او لا تكون. فإما قد تكون اختارتها او اقحمت عليها وعاشت في ظلها كما تحيا الناس حياة غير اصيلة.
الذات الاصيلة هي التي تجتاز امكتنياتها وتبلغا او تضعها على الطريق اليها. أما الذات الغير اصيلة فتترك للاخرين املاء عليها هذه الامكانيات وتسمح للمجهول (الناس, الجمهور, الرآي العام), ان تفرضها عليها. فهناك مثلا من يلعب رياضة ومن يتفرج على المباريات ... الخ, لمجرد ان الناس يفعلون ذلك, ونتوهم انها الحياة. فتحليل وجود الآنية يساعدنا على فهمها في العالم.
شرح هيدجر الوجود في العالم على بثلاثة أسئلة:
  • معنى العالم
  • الآنية في وجودها اليومي مع ذاتها ومع الاخرين
  • معنى الوجود, ويشمل البحث عن العناصر المكونة للآنية (او اوجودات).
احد هذه العناصر الوجود_في, ويعني حالة الألف التي تصل بنا الى معرفة الموجود فننشغل به ونهتم بأمره. وهنا هيدجر لا يتخلى عن نظرية المعرفة , بل يجب عليها ان تستبعد التعامل المباشر من الموجود.
"الوجود_في", هي احد الوجودات وهو يعني حالة من الألف بالأشياء وتصل الى ما يسمى بالمعرفة. وهنا هيدجر لا يتخلى عن نظرية المعرفة بل يقول انها يجب ان تستبعد التعامل المباشر مع الموجود.
ليس هناك الحاجة الى الذات المتعالية التي ترد الاشياء الخارجية اليها’ لأن الذات موجودة دائما في العالم. فإدراك الشيء ليس بمثابة الفريسة التي غنمناها من الادراك الخارجي ونعود بها الى بيت الشعور والوعي. فالآنية في فعل الادراك تظل دائما في الخارج مع موجودات هذا العالم. فكذلك فهي دائما في الداخل باعتبارها "وجودا في العالم" يهتم بالاشياء وينشغل بها.
في فعل المعرفة تكتسب الآنية موقف وجود جديد من العالم الذي سبق اكتشافه فيها, أي أنها مجرد تحول للعلاقة التي تربطنا بالعالم. ان المعرفة حال من أحوال وجود الآنية في العالم.
العالم هو طابع مميز للآنية نفسها, أي ان العالم هو عالم الآنية المحيط بها في حياتها اليومية الذي يسميه هيدجر عالمية المحيط (أو الاحاطة). التي نصل اليها عن طريق التفسير الانطولوجي للموجودات القريبة من داخل هذا المحيط.

الاداة

هدف التحليلات الاداتية تبين المعرفة السابقة التي تفترض الألف بين الآنية والاداة. علما بان التعامل مع الاداة يتم من منظور قبلي سابق على اية معرفة نظرية. مثلا لو حاولت ان اصف حجم ولون مطرقة ومادتها وشكلها ووزنها ... الخ, لما ادركت وظيفتها وملائمتها لها. انما ادرك هذا من خلال استخدامها. ولهذا هيدجر يميز الوجود النوعي للاداة "بالوجود في متناول اليد". فنحن لا ننظر نظرة خالصة الى الشيء الحاضر ثم نضيف عليه خصائص تجعل منه موجود في متناول اليد. ولا نراه كالشيء الممتد كما يقول ديكارت, ثم نلبس امتداده الخصائص المختلفة, بل نتعامل معه كما يقول هيدجر بالتدبر والتبصر. وهذا يعني ان حاجتي للمطرقة تنبع من معرفتي بوظيفتها, أي ان العالم يعلم عن نفسه من خلال ما اتضح عنه سابقا. فنحن ننظر الى الموجود بمتناول اليد لما هو من وظيفته.
المعرفة القبلية عند هيدجر, ليست تأليف ولا تركيب, كما عند كانط, بل تعني ان العالم انفتح او تفتحنا عليه, وبالتالي تنطلق من الظاهرة العينية نفسها.
عالمية العالم هي التي تمكن الآنية من تجربة موجود اداتي, وبالتالي فهي ابعد ما تكون عن المعرفة الخالصة او النظر المحض. ترتيب وضع معين لأداة ما لا بد ان يسبقه معرفة بالنطاق او المنطقة المحيطة. وهذه المنطقة هي التي تكمل وحد السياق الارتباطي للاداة وتضمن كليتها. اي التنوع المنتظم للمواضع. فليس هناك الانا المنعزلة في عالمها, فالأخر متضمن في العالم المحيط وكلية الأداة. والانسان الذي يتجنب الاختلاط بغيره , انما يثبت ان الغير حاضر بوصفه ذلك الذي يتجنبه.
التعامل مع الاداة هو انشغال واهتمام, والتعامل مع الاخرين هو رعاية. وهذه الاخيرة تشمل كل اساليب "الوجود مع الاخرين ", من الحب والتضحية وعدم الاكتراث والاحتقار ... الخ. الرعاية يمكن ان تكون "مقتحمة" التي تجعلنا نجرد الاخر من أعبائه بحيث يعتمد دائما علينا وهذا نسيطر عليه. وهناك الرعاية "الواهبة" , أي نبادل الرعاية بالرعاية. ورد الهم الى صاحبه لكي يحرر نفسه بنفسه.
التوسط , في تعبير الوجود مع الآخرين, هو موقف رقابة على كل استثناء, لتسوية جميع امكانيات الوجود . فحياة التوسط او الحياة العامة تلغي كل الفروق وتقضي على الأصالة, وتنزع من الآنية كل مسؤولية على اتخاذ القرار, اي تحرمها من ان تكون ذاتها وتملي عليها أسلوب وجودها.
سيطرتهم تتسع لتحدد العالم والذات, وهكذا ضاع الناس في عالمهم, عالم كل الأحاد ولا احد, ويفهموا انفسهم حسب الموجودات الغير آنية (او الحاضرة) فحسب. اي يحددوا انفسهم تحديدا مقولاتيا لا وجوديا. كما فعلت الانطولوجيا القديمة, التي اعتبرته موجود بين الموجودات ولم تهتم بآنيته المتواجدة ووجوده المهموم باشكالية الوجود.
العناصر التي تتكون منها الآنية المتميزة بالانفتاح:
  • الوجدانية, حضور الآنية امام ذاتها, كشعور متأثر. كما التأثر في التعرف على الشخص لاول مرة الذي يمكن ان يتغير ولكن يبقى ظاهرة اصيلة في الانفتاح على الأخر. ان تأثر الوجدانية هو الذي يؤلف انفتاح الآنية على العالم. أي ان الخوف والقلق او الغبطة والابتهاج يقربني الى العالم او يقرب العالم مني.
  • الفهم, وهو نوعين: اصيل اذا نبع من الذات واستجاب لها, وغير اصيل اذا ادرك الآنية من جهة ادراك العالم لها. ولما كان الاصل في الفهم هو التبصر, فهيدجر يصفه بالرؤية النافذة. فتبصر الآنية هو الذي يسمح للموجود ان يكشف عن نفسه من كل غطاء يحجبه. في الفهم تنفتح الآنية على امكانيات وجودها وكيف تشرع في تصميم مشروعاتها. كون الآنية ملقاة في العالم فعليها ان تحمل عبئ وجودها. كل انسان يعرف ان وجوده لم يتحقق بعد. ولا يمكن ان ننصفه حتى نحكم عليه بما سيكون. أخذا في الاعتبار امكانياتي الفعلية حتى لا اقع في الوهم.
المعنى شيء متعلق بالانسان, احد الخصائص الاساسية للآنية وليست صفة تلتصق بها في الم متعال من الحقائق الخالدة. فالآنية وحدها هي التي تقرر اذا كان لها معنى او انها خاية منه.
  • الكلام, يجمع العنصريين السابقين. لأن الكلام افصاح عن الفهم. المعاني الكلية تنمو لها كلمات, وليس العكس, اي لا تخنترع الكلمات ومن ثم تزود بمعاني مصطنعة. الكلام يكون اوضح عندما يكون مشاركة وجدانية, وفهم, خلاف ينتشر الزيف وعدم الاصالة. فيطغى على الوجود الحقيقي. عندئذ ينقلب الانفتاح الى انغلاق لباب المعرفة الحقيقية. وهنا كنا يقول هيدجر تتحد العناصر الثلاثة: اللغو والفضول والالتباس. فيما يصفه بالسقوط في دوامة الزيف الذي يدور فيها الناس ليل نهار. هيدجر يقول انه يجب ارساء اللغة على اسس انطولوجية وتحريرها من الافكار المنطقية السابقة.

3-الآنية والزمانية

فيما سبق حللنا الآنية بهدف الوصول الى بيان مكونات "الوجود في العالم" , وفيما يلي نريد توضيح وحدة هذه المكونات والعلاقية بينها. ورأينا ان بناء "الوجود في العالم" يقوم على الانفتاح, وان كلية هذا البناء هو الهم. وعلينا الآن تحليل الآنية في ضوء الزمانية او "التزمن".
كما قلنا الخصائص الثلاثة للآنية هي:
  • التواجد او الاستباق) , أي ان الآنية دائما في حالة إمكان, او وجود عليها ان تحققه.
  • الوجود الفعلي (او الالقاء), أي انها تتحدد بما ألقيت فيه, فيما وجد قبل ان توجد
  • السقوط (او الوجود بالقرب من), أي انها تفهم نفسها من خلال ما تكونه, وتضيع ذاتها بين الموجودات المألوفة وإملاءات الناس التي تحجب عنها اصالاتها
وهذه الخصائص الثلاثة تتجمع في الهم. الذي لا يعني الحزن والنكد والغم, بل ينطوي على العناصر الثلاثة الأنف ذكرها. ولأن تفسير الآنية هو اساس تناول السؤال عن معنى الوجود. ولهذا لا بد من القاء الضوء على وجود الآنية من حيث خصوصيتها الممكنة, على صميم وجودها وطابعها الحميم وكليتها. حتى الوصول الى نهاية تحليل الآنية وهو الموت, الوجود من اجل الموت. وصميم الوجود وطابعه الحميم تكمن في مشكلة الضمير.
هدف الكتاب "الآنية والزمانية" هو بيان الارتباط بين الوجود والحقيقة.

الوجود للموت

تتصل بالموت ثلاثة امور, وهي
  • "هناك ليس بعد", ستكونه الآنية ما بقيت حية, وهو ما يجعلها تندفع لتحقيق امكانياتها. أو كما يقول ابن سينا كل متحرك مستكمل
  • بلوغ الموجود الذي لم ينتهي الى نهايته, يحمل طابع عدم الوجود او استحالته
  • بلوغ النهاية بالنسبة للآنية ينطوي على حال لا يقبل البدل او مناوبة. أ ي انه تموت لوحدها ولا ينوب عنها غيرها.
كيف نفهم الموت
  • اهو صيرورة الى لم تكنه بعد
  • اهو اكتمال كما نضوج الثمرة. ولكن كم آنية انتهت قبل بلوغ الكمال, وكم منها ما بلغته قبل الموت.
  • اهو توقف وانقطاع, كما يتوقف المطر
الموت اسلوب وجود او كينونة تتحمله الآنية ما بقيت حية.
تجربة موت الاخرين لا تفهمنا الموت, ولا حتى علوم الحياة والطب والنفس واللاهوت ... الخ. لأن التفسير الانطولوجي للموت هو موتي أنا. ولكن في حياة التوسط , عادة ما تخفى فاجعة الموت بالعزاء والثرثرة. فهو بنظر العامة شيء غير محدد يأتي من المجهول في وقت غير معلوم. مجرد حادث يصيب كل انسان ولا يصيب انسان بالذات. يهربون منه وبالتالي من طابع الامكان الذي ينطوي عليه. وبهذه الطريقة يحرمون الآنية من اخص امكانيات وجودها. ما علاقة الموت بامكان وجودنا الكلي , وما الصلة بينه وبين الهم باعتباره المكون الاساسي للآنية ؟. ان الوجود للموت يقوم على الهم, لأن الآنية تموت دائما وفي كل لحظة بين الميلاد والوفاة, وبالتالي فإن تهربها اليومي منه يعتبر وجود غير أصيل للآنية. لأن الموت أخص امكانيات الآنية, ويجعلها تنفتح لذاتها وتجعلها قادرة على انتزاع نفسها بعيدا عن الناس وعن ضياع حياتهم اليومية. هذه المكانية تدفع الآنية الى عدم الاعتماد على رعاية واهتمام الاخرين الى ان تصبح هي ذاتها, والى الحرية من اجل الموت, الخالصة من اوهام الناس والقلقة على نفسها. الموت للوجود اذا مرتبط بالقلق كارتباطه بالاستباق والتصميم. فالآنية في الموت تنفتح على اخص امكانياتها و تنفصم علاقتها بالآنيات الاخر. هذه المواجهة تسيطر على وجود الآنية وتنأئ بها من كل انوع التستر والتهرب وتبلغ ذروتها في التصميم. فما هي علاقة التصميم بوحدة الآنية وكليتها, وكيف تحيا موحدة في كل امكانات وجودها. الأنا او الآنية هي التي توحد هذا البناء الكلي. وكما يقول كانط الأنا موجود دائما في كل مراحل المعرفة الحسية والقبلية. الأنا الاصلية التي كشف لنا الهم عن وجودها, والأنا التي يرددها الناس تكون مشغولة بالموجودات الخارجية ومتهربة من وجودها الاصيل ال1ي يحمل هم وجوده للموت. فالأنا الاصلية تتمثل في التصميم وما يشمله من توحد وقلق وشروع كل الامكانات وفهم وانفتاح.

نداء الضمير

الوجود الاصيل اذن ولا شيء سواه. هذا هو المثل الاعلى لفلسفة هيدجر, التي يغلب عليها طابع المباطنة, فلا عون من الاعلى لتحديد هذه الاصالة في حقيقة وجود الانسان. ولكنها لم تصل الى هذا الوجود من خلال التحليل الفينومنولوجي الخالص, بل تنتش من جذور الآنية نفسها ظاهرة واقعية لوجودها الاصيل. أين تجد هذه الظاهرة ؟.
صوت الضمير
نداء بدون صوت يحمل اظلآنية على التكتم, نداء غريب عليها في حياة التوسط, ندائ الذات الملقاة في العدم, نداء موجه مباشرة لها, منها واليها, لتنبهها لامكانات وجودها. والقلق يجعل هذا النداء ممكنا.
نداء الضمير يكشف عن وجود الآنية في الذنب, ولكن ليس بالمعنى الاخلاقي او الديني, بل في التناقض بين ان يصنع اساس وجوده ويقرر نوعه من جهة, وبين وجوده الفعلي الذي ليس بمشيئته. فلا تنفتح الآنية على المذنب الا اذا ادركت انها مذنبة حتى النهاية. وهذا لا يأتي لها الا في فكرة الاستباق (اي الوجود الاصيل الذي يستبق ذاته الى الموت). إن الضمير ينادي إنية الآنية من غمرة الضياع في الناس. ويصيبها اصابة مؤكدة لأن الآنية نفسها هي المنادي والمنادى. وهذا النداء يتجه الى الامام والخلف, الى الامام لكي تتحمل بنفسها وجودها الملقى به, والى الخلف لكونها ملقى بها, وهو السبب العدمي الذي عليها ان تطويه في وجودها. نداء منبعث من اعماق الآنية ليحثها على تحقيق امكانية وجودها. فما علاقة التصميم بالحقيقة ؟. وبما ان التصميم هو حال من احوال انفتاح الآنية ’ فهي تكون في الحقيقة على اساس ان انفتاحها يكشف عن حقيقة الوجود واصالته. ما الذي يضفي وحدة على على العناصر المكونة للهم ؟. عندما تستبق الآنية الى افصى امكانياتها, ترتد الى زمانها الماضي وتحافظ عليه, وكأن استشعار الموت هو الذي يحي الماضيويعيدنا الى ذكرياته. أي ان المستقبل هو الذي يحيل الآنية الى الماضي. فالزمانية هي المعنى الحقيقي للهم

السقوط

العنصر الثالث للهم, ويمثل حالة الضياع فيما هو حاضر, اي "بالوجود بالقرب من". وطبيعي ان يكون السقوط في الحاضر ( ما هو كائن وقريب), دون المستقبل (ما سيكون), وما قد كان (الانقضاء). وهكذا الزمانية توحد بين التواجد والوجود بالفعل والسقوط, وتؤلف بها كلية الهم تاليفا اصيلا. الزمانية يمكن ان تكون اصيلة أوغير اصيلة, تبعا للوجودات ( التي تحدثنا عنها سابقا: الفهم, الوجدان, والسقوط, والكلام) وعلاقتها بالزمان, لأنها في صميمها زمنية. وفيما يلي جدول عن التزمن الاصيل والتزمن غير الاصيل: الانبثاقات الزمنية: 1- المستقبل , 2- الحاضر, 3- الانقضاء التزمن الاصيل: 1- الاستباق, 2- اللحظة, 3- التكرار التزمن غير الاصيل: 1- التوقع (التهيؤ), 2- الإحضار, 3- النسيان

الزمانية ونظرية التعالي

وجودي هو الشيء الوحيد الذي املكه ولكن معرض لأن افقده في إلى لحظة. فمن العبث تجاهل هذه الحقيقة الأليمة.
كتب علينا ان نتعرف على إمكانياتنا وسبر غور قوانا وقدراتنا, فنحن نعلى على ذواتنا لتحقيق هذه الإمكانيات متجهين نحو الأمام والمستقبل والعدم. وبما ان وجودنا شروع ومشروع فنحن نقذف نفسنا الى الأمام لتحقيق إمكانياتنا ؛ وبما ان وجودنا مشروع وجود, فزماننا يبدأ من المستقبل.
يقسم هيدجر الزمان الى ثلاثة انبثاقات ويبين ان المستقبل لا يعني الآن الذي لم يأتي بعد, وان الماضي لا يعني الآن الذي لم انقضى, وان الحاضر لا يعني الآن الذي انقضى في هذه اللحظة الراهنة, بل الانبثاقات تعبر عن ارتباط الذات بوجودها.
الزمانية عند هيدجر هي تعبير عن هم الزمان الذي يكاد لا ينفصل عن حركة الموجود إلى الخلف نحو الماضي والى الأمام نحو المستقبل ومفارقته المستمر لذاته. وبالرغم من انه كائن ملقى في العالم, فهو يشعر انه ليس ما هو كائنه الآن ولكن ما كانه وما سيكون.
وبما إننا مشروع فهيدجر يعطي من بين الانبثاقات الزمنية أهمية للمستقبل, لاننا نعمل من اجل الشيء الذي لم يوجد بعد. ولكننا نعود الى الماضي لنتقبله ولنأخذه على عاتقنا. فالحركة الى الوراء لا تنفصل عن الحركة الدائبة نحو الامام.
وللزمان حدين لم نختارهما: حد البدياة , أي الولادة وحد النهاية, أي الموت , ولكن الحركة بين هاذين الحدين تتجمع في الحاضر, لان الانسان يستجمع ذاته في الآن, فالحاضر يمثل التئام الآنات , ووحدة الزمان تمثل ركيزة الكينونة البشرية.
التعالي عند هيدجر ليس تعالي رأسي كما هو عند كارل ياسبرز وكيركجارد , بل تعال افقي (كما عند نيتشة) باتجاه مستمر نحو العالم ونحو المستقبل والعدم.
التعالي عند هيدجر فقد الطالع الديني. ولما التعالي هو حركة مستمرة نحو إمكانياتنا في هذا العالم, فالوجود هو عين امكانية الموجود.
العدم هو من مقومات الوجود وليس مقابل له.
نظرية التعالي تجعل الموجود البشري بناء معقد من الممكنات ذات طابع زمني يطل بها على الوجود العام.

اقتباسات

شذرات سريعة عن هيدجر

[20]

ما قبل هوسرل

ديكارت اسس المعرفة على الوعي : الأنا. الإنسان هو مصدر المعرفة بالاعتماد على الأفكار الفطرية التي تعتبر الاساس او المبادئ الاولى. ترك ديكات لمن بعده من الفلاسفة مشكلة ثنائية العقل والجسد او الروح والمادة. فمنهم من اعطى اولوية للعقل فسمي مثالي ومنهم جعل المادة مصدر المعرفة وسمي مادي او تجريبي. حاول كانط أن يوفق بينهما بجعل "الوجود" مقولة من مقولات العقل النظري .. أي مقولة ذهنية تقول ان العقل نفسه هو خالق للأشياء. وهذا ما تلقاه فشته وشلنج وهيجل بالتطوير والتفصيل والتأسيس. لكنهم ظلوا في النهاية مثاليين لأنهم حذفوا فكرة المادة الكانطية = الشيء في ذاته.

هوسرل

أخذ هوسرل فكرة القصدية من برنتانو : "كل وعي هو وعي بشيء ما" وليس وعيا فارغا. وطور بها الكوجيتو الديكارتي. الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر .. بالتالي أنا موجود) يعد بمثابة إعلان استقلال الوعي أو العقل عن العالم الخارجي. هوسرل طرح كوجيتو اخر: أنا أفكر .. والفكر لا يكون إلا تفكيرا في شيء. إذن العالم الخارجي (وجود الأشياء) مثبت منذ بداية الكوجيتو بدون أن ينتبه ديكارت. بصرف النظر الآن عن طبيعة الشيء المفكر فيه. فهوسرل لا يهتم الآن لكون الشيء المفكر فيه حقيقة أو وهما.
(( بناء على كوجيتو هوسرل سيطرح هيدجر أحد أهم مفاهيمه: الوجود – في – العالم ، ومع - الآخرين)) مع هوسرل .. لم يعد العقل أو الوعي صندوقا مغلقا .. بل هو مفتوح على العالم وعلى الأشياء. ومن طبيعة العقل أن يكون متجهاً نحو شيء ما. ( فلا يمكن لك أن تفكر بدون وجود ما تفكر فيه حتى ولو كان خيالا- وقل مثل ذلك على أفعال الوعي: أن تكره شيئا، تحب شيئا، تتوقع شيئا، ترغب في شيء..إلخ) يقول سارتر لو حاولتَ أن تطلق فعلا قصديا : مثلا : الغضب أو الكراهية فإنك لن تقدر بدون أن تستحضر شيئا مغضوبا عليه أو مكروها).
مفهوم الاختزال الفينومينولوجي عند هوسرل: يعني رد الموضوع القصدي ( الموضوع الذي نفكر فيه ، أو نكرهه ، أو نحسه ..الخ) إلى الوعي القصدي ذاته. مثلا: عند وصف موضوع الكراهية فإننا نصفه فقط بوصفه مكروها. فالموضوعات القصدية تخضع للفعل القصدي فيكون الشيء إما : محبوبا أو مكروها أو مدركا حسيا أو متوقعا أو مرغوبا فيه ...إلخ وبعد إجراءات طويلة من تقليب مضمون الأفعال القصدية واختبارها سيحاول الوصول إلى ماهية الشيء.
الفينومينولوجيا الهوسرلية نظرية في المعرفة .. وهدفها الأساسي وصف العالم أو الأشياء كما تظهر لنا .. لوعينا .. على أن ما يظهر لنا بعد عمليات التقويس والاختزال هو الشيء ذاتها.
الشيء ذاته يتجلى في مظاهر عدة حسب طبيعة الأفعال القصدية التي تستهدفه .. لكن في النهاية له ماهية .. هي السمات التي تبقى رغم تغير الأفعال القصدية.

هيدجر

هيدجر منذ بدايته كطالب وتحت تأثير بحث برنتانو (حول معاني الوجود عند أرسطو) ركز على " الوجود" لا المعرفة. ليس لهيدجر نظرية إبستمولوجية بالمعنى الكلاسيكي. من الخطأ اعتبار فلسفة هيدجر امتداداً مذهبيا لهوسرل. ففلسفة هيدجر " أنطولوجية" تهتم بالوجود وتتخذ من الفينومنولوجيا منهجا لها. فلسفة هوسرل كغيره .. فلسفة إنسانية .. أو فلسفة وعي: وهي الفلسفات التي تجعل الإنسان أساس المعرفة. لذا رفضها هيدجر وأخذ منها منهجها.
ذكرنا سالفا مفهوم " الوجود في العالم" .. مبحث الوجود هو الاشتغال الجوهري لهيدجر .. كان مهتما بالإجابة عن سؤال : ما هو الوجود؟ وكان يرى أن الفلسفة الغربية منذ أفلاطون بحثت في الموجود لا في وجود الموجود.
الفكر الغربي كان يعتقد أن الوجود بديهي وواضح ولا يحتاج تعريفا .. كما أنه حسب المناطقة أشمل وأوسع تصور . إنه أكبر الأجناس حيث لا شيء فوقه لكي يحده أو يعرفه. فالوجود هو المقولة أو الصفة التي تصف كل شيء ( مع استثناء كانط الذي جعل الوجود مقولة معرفية لا وجودية!)
استفاد هيدجر من فكرة القصدية عند هوسرل .. فالوعي ليس منعزلا عن العالم بل موجود في العالم .. ووجود الإنسان في العالم هو ما يسميه بالدازاين : والدازاين ليس هو الإنسان ذاته بشحمه ولحمه بل هو أشبه بالأفق الوجودي له ولإمكاناته : إنه وجوده
مع انهيار ثنائية العقل والعالم .. وأيهما أساس المعرفة .. انفتح باب جديد للتفكير.وانهارت بقية الثنائيات المرتبطة بالثنائية السابقة. مثل : الفكر والعمل. فلم يعد الفكر هو ملكة الذهن ولا العمل هي السلوك الواقعي التجريبي.
الدازاين في اللغة الألمانية هو ( الوجود – هناك ) أي : الوجود الإنساني بوصفه وجودا في العالم منذ البداية. هذه الإضاءة أنتجت المبدأ الشهير : الوجود يسبق الماهية. من هنا تسمى الفلسفة الوجودية بهذا الاسم.. فهي تفترض الوجود كحقيقة لا يمكن تجاوزها : إنها نقطة البدء يوجد الإنسان أولاً ثم يخلق ماهيته من خلال الإمكانات المتاحة له : لذا فالحرية شرط ضروري لخلق الماهية الأصلية : الإنسان الأصلي لا المزيف. فالإنسان ذو الوجود المزيف يهرب من مواجهة واقعه وينخرط مع العامة : يسمي هيدجر هذه الحالة بالسقوط في الثرثرة
يرى هيدجر أنه لا يمكن دراسة الوجود بحد ذاته .. فلا بد من الانطلاق من الموجود.. ولم يجد أفضل من الإنسان أو الدازاين، فهو الكائن الوحيد الذي يدرك الوجود ويتساءل عنه. والفرق بين وجود الإنسان ووجود غيره من الكائنات أنه كائن متزمن. متزمن تعني العيش بالزمن وفي الزمن. في اللحظات الزمنية الثلاث : الماضي ، الحاضر ، المستقبل. الزمن يستحضر المعاني التالية : الموت، انقضاء الإمكانات، التناهي
الزمن عند هيدجر له معنى فريد : إنه ليس الزمن الرياضي ولا العلمي ولا المعروف لنا والذي يقاس بأدوات القياس .. بل هو زمن وجودي وله الفضل في تأسيس كل معنى آخر للزمن. وجود الإنسان في العالم وجود زمني أو متزمن : الزمن ليس شيئا موجودا باستقلال عن الإنسان.. بل هو إحدى ركائز الوجود الإنساني. علاقة الإنسان بالعالم الذي يوجد فيه علاقة " اهتمام" .. إن العالم سيصبح أداة لتحقيق الإمكانات التي يحقق من خلالها الإنسان ذاته. هناك إمكانات تحققت ( هنا ظهر شعورنا بالزمن الماضي) – وهناك وجود في العالم ( الحاضر) – وهناك الإمكانات المتاحة ( المستقبل). وعي الإنسان بالموت وبكونه الإمكانية الأخيرة التي تقضي على باقي الإمكانيات له دور في تعميق الإحساس بالزمن بالمعنى السالف. بما أن الإنسان غير مكتمل .. فإنه يكون خارج ذاته .. يسعى إليها عن طريق تحقيق الإمكانات .. بخلاف الأشياء الأخرى المكتملة والناجزة سلفا. يسمي سارتر الوجود الإنساني بالوجود لذاته .. بينما الموجودات الأخرى فهي الوجود في ذاته. المشكل أن الإنسان يدرك أن الإمكانات محدودة بسبب إمكانية الموت.. هنا يتخذ " الاهتمام" طابعا جديا وحاسما. الاهتمام هو – تبعا للقصدية – اهتمام بشيء ما. حسب هوسرل لا يمكن للفعل القصدي أن يكون بدون موضوع قصدي. لكن هيدجر لاحظ أن " القلق" هو تجربة قصدية ليس لها موضوع. هنا توصل إلى فكرة أن " العدم" هو ذاته الموضوع الوحيد للقلق. قلنا الاهتمام هو اهتمام بالأشياء .. في العدم تتلاشى الأشياء .. فيتلاشى معها " الاهتمام" الذي هو أساس الدازاين. عندها سيحل " القلق " محل "الاهتمام". القلق تجربة أصيلة للعدم .. وقد أثبت في محاضرة ما هي الميتافيزيقا وجود العدم بالقلق. لحظة الماضي انصرفت ولم تعد موجودة .. ولحظة المستقبلية لم توجد بعد. والحاضر بمعناه التقليدي وهم : إنه غير موجود راهنا : هل هو تجربة أخرى للعدم؟. إذا كان الحاضر عدما .. فإن الماضي والمستقبل وجود. الغريب أن هذين الوجودين غير موجودين ( الآن)! : هنا ستنفك العلاقة بين الوجود والحضور وستكون هذه المحاججة سبيلا غير مباشر لظهور فلسفة التفكيك التي تسعى لتقويض فلسفة الحضور.

تلخيص

يرى هيدجر أن دراسة الوجود الإنساني ستكون بابا لدراسة الوجود بعامة .. وقد خصص الجزء الأول من كتابه الزمن والوجود لمناقشة الوجود الإنساني ، والجزء الثاني لمناقشة الوجود العام .. لسوء الحظ أن هيدجر لم يكتب الجزء الثاني وترك المشروع برمته ( لماذا).
يرى هيدجر أن الموجود الإنساني ليس وجودا منعزلا في أصله بل هو وجود في العالم ومع الأشياء والآخرين.
الوجود يسبق الماهية : الإنسان يوجد ثم يبني نفسه .. وإدراكه لتناهيه ومحدودية الإمكانات يجعل " الاهتمام" بالعالم شيئا جوهريا. غياب الاهتمام يعني حضور القلق .. القلق تجربة شعورية موضوعها العدم. وهذا القلق ليس له علاقة بمفهوم القلق النفسي الذي هو قلق من شيء معين.. فالقلق الوجودي لا موضوع له. الزمن .. نتج عن إدراك الإنسان لطبيعته المتناهية .. عن إدراكه أنه سيموت. الزمن ليس مجرد فكرة في رأس الإنسان .. بل هو تجربة الإنسان ذاتها. .......
بعد الزمان والوجود .. حدث ما يسمى بالمنعطف في فكر هيدجر .. فقد تخلى عن مشروعه السالف لأنه لم يتحرر نهائيا من فلسفة الوعي. في هذا المنعطف حاول إيجاد سبل أخرى لدراسة الوجود.

مارتن هيدجر/أشرف ناجح إبراهيم

إنّ الموت هو حدث يومي في حياتنا، ومرأى المقابر لا يثير أحداً؛ ومع ذلك تهزنا المفاجأة وينعقد اللسان حينما يتخطف الموت من نحب من الأقارب والأصدقاء، إلى الدرجة التي نحس فيها وكأننا نسمع بالموت لأول مرة وندخل عبر تلك البوابة الميتافيزيقية لننظر قسراً في نافذة الموت بعيون الخرافة أوالدين أو الفلسفة وننتقي ونلفق من كلّ ذلك ما يناسب حالنا في تلك اللحظة الجزعة؛ ما يسكن فينا القلق والروع ويعيدنا مرة أخرى إلى مجرى الطمأنينة والاستغراق في الحياة العادية والاستسلام لخمول الفكر اليومي. فإنّ أصعب شعور قد يشعره إنسان، حين يمسك الموت بقبضته على حبيب أو صديق له. فهنا يظهر الموت في أقسى صورة ممكنة في نظر الأحياء. ولكن ما أبعد ذلك السرّ عن الإنسان؟ فمن أين للمرء أن يكتشفه؟ فهو حين يأتي لا يترك ورائه سوى صمت رهيب! وكثيرون هم الفلاسفة الذين تعرضوا لهذا السرّ المؤلم أي الموت. وقد رغبنا في دراسة الموت عند أحدهم وهو هيدجر بالذات، لأنّ هيدجر بحسب ما نرى هو من أهمهم نظراً لفكرته العميقة عن الموت. أما عن أسباب اختيارنا لهذا الموضوع بالذات، فيرجع أولاً إلى خبرة ذقنا فيها مرارة الموت عندما ينتزع منا من أحببناه وأحبنا. وثانياً رغبة منا في تعميق ما درسناه عن الموت، ورغبة في الولوج في أعماق هذا الحدّ الأليم. وفي خدمة ذلك جاءت خطة البحث مقسمة إلى فصلين: الفصل الأول، وهو بعنوان" هيدجر حياته وفلسفته": تحدثنا فيه عن هيدجر من حيث حياته وفلسفته، وختمنا الفصل بحديث عن الموت من حيث هو سرّ، وأهمية قبوله في حياتنا. الفصل الثاني، وهو بعنوان" ماهية الموت عند هيدجر": قمنا فيه بمحاولة لعرض الموت من وجهة نظر هيدجر التي قد نتفق أو نختلف معه بشأنها. وقد دخلنا في مضمار البحث في هذا السرّ، لعل هذا يكون معين لنا في إيجاد إجابة على الأسئلة التي دارت بخلدنا إزاء هذا السرّ والتي نأمل الوصول إلى أغوارها.

الفصل الأول هيدجر حياته وفلسفته
أولاً: لمحة عن حياة هيدجر يعتبر بحق مارتن هيدجر Martin Heidegger هو المؤسس الحقيقي للوجودية. وقد ولد هذا الفيلسوف في 20 سبتمبر عام 1889 في مسكرش Messkir في ألمانيا لأسرة عميقة الجذور في هذا الإقليم. وكان أبوه فريدرش Friedrich صانع براميل وفي الوقت نفسه كان أمينا لخزانة كنيسة القديس مارتن في تلك المدينة، وكانت أمه تدعى يوهانا كمفJohanna Kempf . وقد نشأ الفيلسوف الألماني من أسرة مسيحية تنتسب إلى الكنيسة الكاثوليكية، وكان والداه يريدان أن يلحقاه بسلك الكهنوت، ولكنه لم يرد لنفسه الاستمرار في تعليم اللاهوت. لقد دخل هيدجر المدرسة الثانوية في كونستانس من عام 1903 إلى 1906. وتابع هيدجر تعليمه اللاهوتي في معهد فرايبورج الأسقفي حتى سنة 1909 حيث كان طالباً داخلياً.
لقد قضى عاماً في معهد اليسوعيين، ودخل بعده جامعة فرايبورج في بريسجاو حيث أتم دراسته في اللاهوت والفلسفة. وأخذ يقرأ بنفسه مؤلفات هوسرل في الفينومينولوجيا . وقد تلقى أول تعليم فلسفي له على يد اثنين من أشهر رجالات المدرسة الكانتية الجديدة ، ألا وهما فندلباند Windelband وريكرت Rickert. وقد حصل في عام 1914 على الدكتوراه الأولى مع رسالة عن " نظرية الحكم في النزعة النفسانية". وعين بعدها معيداً في تلك الجامعة، ثم نشر في عام 1916 رسالة الدكتوراه الثانية، دكتوراه التأهيل للتدريس بالجامعة، عن "نظرية المقولات والمعنى عند دونس سكوت" . وقد ذاع صيته في الأوساط الفلسفية باعتباره مفكرا أصيلاً. ولم يلبث هيدجر أن عين أستاذاً للفلسفة بجامعة ماربورج Marburg سنة1923، وقد اُنتخب رسمياً مديراً للجامعة، فعكف منذ ذلك الحين على تعميق مشكلة الوجود واهتم بالكثير من المسائل الميتافيزيقيا الأخرى. وحينما بلغ هسرل سن التقاعد، خلفه هيدجر أستاذاً للفلسفة بجامعة فرايبورج عام 1929، وكان هذا بناء على توصية هوسرل. وفي عام 1933 انتخب رسمياً مديراً لجامعة فرايبورج. في مايو عام 1933 نشرت الصحف المحلية خبر انضمام هيدجر رسمياً إلى الحزب الوطني الاشتراكي ( النازي)، وكان هتلر قد تولى الحكم في ألمانيا في يناير من نفس العام. ووقع بعد ذلك في خلاف مع السلطات حيث أنه رفض طلبهم بشأن فصل اثنين من العمداء في جامعة فرايبورج، وقام بتقديم استقالته من منصبه وقبلت، ومن هنا صار هدفاً للمضايقات من جانب السلطات. ولما دخل الحلفاء ألمانيا في سنة 1945اعتبروه مِن أعوان النازية فمنعوه مِن التدريس بالجامعات الألمانية بعد انتهاء الحرب، ولكن كتاباته قد لقيت مع ذلك اهتمامًا كبيراً من جانب المشتغلين بالفلسفة في ألمانيا. وفي سنة 1951أُعيد هيدجر إلى منصبه أستاذاً في جامعة فريبورج. كان هيدجر قد تزوج في سنة 1917مِن امرأة تدعى ألفريد بترى Elfredepetri ورُزق منها بأول ولد وهو يرج Jorg في سنة 1919، وبالولد الثاني هرمنHermann في سنة 1920. وقد تعددت سفريات هيدجر فقد سافر إلى فرنسا أكثر مِن مرة، وقام بأول رحلة له إلى اليونان في ابريل عام 1962. وأمضى بقية حياته في بيته الجبلي في توتناوبرج، إلى أن توفي في 26مايو سنة 1976في مسكرش مسقط رأسه. ثانياً: هيدجر وفلسفته إنّ فلسفة مارتن هيدجر« هي مِن بين سائر الفلسفات الوجودية أكثرها عمقا وأشدها طرافة». لقد أعلن هيدجر مراراً أنّ فلسفته ليست فلسفة وجود إنساني وإنما هي فلسفة وجود عام. ونجده رفض تسمية فلسفته باسم"الوجودية"، فذلك لأنه قد حرص على أن يبين لنا أنّ" الأونطولوجيا" هي موضوع دراسته، لا مجرد وصف الوجود الإنساني. ولقد فرق بين ما هو مجرد تعبير عن الوجود، وما هو داخل ضمن مقومات الوجود. وهذه التفرقة في نظره هي التي قد تسمح لنا أن نقول: إنّ فلسفته" أونطولوجية" تدرس مقومات الوجود الإنساني عموماً، لا مجرد صفات الموجود الفردي. ومِن أهم مقومات الموجود عند هيدجر" الوجود في العالم"، " الوجود مع الآخرين"، والنزوع المستمر نحو" التعالي" أو" المفارقة" . ومن هنا يتضح لنا تمييز أساسي بين ميدان الوجود، وميدان الموجود، أو بين الوجودي( الأنطولوجي) وبين الموجودي. فالانطولوجي يرجع إلى ما يجعل الموجود موجوداً، أي يرجع إلى تركيبه الأساسي. أمّا الموجودي فيشمل الموجود كما هو معطى. إن المثل الأعلى لفلسفة هيدجر، التي يغلب عليها طابع" المباطنة" أو" الكهون" في العالم، وتصر على رفض أي عون يأتي من أعلى لتحديد أصالة الإنسان وحقيقة وجوده؛ هو" الوجود الأصيل ولا شيء سواء". وقد أراد هيدجر أن يفهم" الوجود" بصفة عامة، إلا أنه يرى في كينونة الموجود البشري سبيلاً مشروعاً لفهم حقيقة الوجود بوجه عام. إنه يقرر أننا لا نفهم الوجود إلا عن طريق وجودنا أو في صميم كينونتنا، وبهذا المعنى يمكن القول بأن الأونطولوجيا هي وجودنا نفسه. إن هيدجر يريد أن يقصر كلمة" الوجود" على الإنسان، فنراه يقول:« إن الحيوان" يحيا"، والموضوعات الرياضية" تبقى"، والأدوات المادية" تظل" تحت تصرفنا، ومظاهر الطبيعية" تتجلى" أمامنا، ولكن الإنسان وحده هو الذي" يوجد" بكل ما في كلمة" الوجود" من معنى». وقد أكد على دور الآنية في أنه يقتصر على الاستماع إلى نداء الوجود نفسه ويصبح" راعي بيت الوجود". قد اختلف النقاد في الحكم على فلسفة هيدجر، فمنهم من قام بالهجوم بشدة عليه ومنهم أسرف في مدحه. وما يلفت النظر حقا هو أن" لغة هيدجر" هي المدخل إلى الحكم له أو عليه، فان فهمها الناقد ورآها واضحة أعجب بهيدجر؛ وإن أساء فهمها وأعتقد أنها غامضة معقدة رماه بالإغماض والإرباك. والحق أن هيدجر لم يحاول أن يتعمد الغموض، فهو يجاهد في سبيل التواصل مع قرائه، ولكن إن وجد غموض فمرجعه هو الغموض في الموضوعات التي يواجهها هيدجر محاولاً كشفها. إن هيدجر« لا يستهدف من وراء فلسفته أن تعطي القاري إجابة واضحة عن الموضوعات التي يتناولها، بل يود، على العكس من ذلك، أن يستثار القاري بالسؤال ويكابد المشكلة مكابدة إلى حد الدهشة إزاءها». ثالثاً: سرّ الموت « إنك لن تموت.. هذا الملك لن يموت» …هكذا كان المصري القديم يكتب على جدران معابده، التي بناءها بعناية فائقة للملك المتوفى. وقد كان موقفه أمام الموت موقف الاحتجاج الواضح ضده، فهو كان يعتقد شديد الاعتقاد في البعث والخلود. إن الجنس البشري كله، وليس المصري القديم فقط، يرى الموت الحد النهائي الذي يتحدى القيم، ويكذب شتى مزاعم الإنسان، ويلقي على كل ما في وجوده من آمال ظلال الفناء، لذلك تصبو الإنسانية لأن تقضى عليه وتلغيه. وهو الذي يدفع الإنسان بأن يدرك أن الكل باطل وقبض الريح، وأن الحياة ظلال لا تلبث حتى تنتهي. الإنسان وحده الذي لديه الإمكانية أن يأخذ موقفاً أمام الموت، ولاسيما أنه هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنه يموت. وهناك مواقف متعددة حيال حد الموت تتمثل في رفضه، أو الاستسلام له، أو البحث عن معنى أمامه. فيمكن للإنسان أن يعطي، بطرق مختلفة، معنى للموت فيصبح جزء من حياته، بل عنصراً أساسياً في حياته الإنسانية. فإذا لم يقبل الموت لن يقبل حياته، فمن شروط النضج هو قبول الموت. وهذا القبول لا يعني الاستسلام له أو السعي إليه، إنما أن يأخذ الموت مكاناً في حياته فلا يصبح مرفوضاً بالنسبة له. يرى هيدجر في كتابه" الوجود والزمن"، الذي كتابه في عام 1927، أن الموت يعطي جدية للوجود الإنساني، فعندما ينفتح الإنسان على إمكانية الموت يدرك أن الإمكانيات الكثيرة الذي يريد تحقيقها ليست هي الهدف، فالموت إذن بمثابة تذكير للإنسان بنسبة أي إمكانية. إن الموت بالنسبة للإنسان ليس مجرد مشكلة إنما هو سرّ. وهناك فرق بين المشكلة والسرّ، فالأولى شيء يلتقي به المرء من الخارج فيقف حائلاً دون تقدمه. أما السرّ فهو شيء يتلبس بنا، ويغلف بغموضه صميم وجودنا، فلا نملك أن ننظر إليه من الخارج، لأننا مرتبط به ومندمجون فيه. وبهذا المعنى يمكننا أن نقول أن الموت سرّ لا يكاد ينفصل عن صميم وجودنا، مادام وجودنا زمنياً متناهياً يسير حتماً نحو الفناء. والموت أيضاً سرّ لأننا كلما حاولنا سبر أغواره فهو يزداد عمقاً وغموضاً، فعلى الرغم من أن الموت هو الحقيقة التي لاشك فيها؛ إلا أنه سر هيهات للعقل البشري أن يتمكن يوماً من الكشف عنه. إن في الكون ألغازاً كثيرة لا يحاول المرء العادي معرفة كنهها، لأنه يشعر بأنها ليست داخله في صميم وجوده؛ لكن لا أحد يقف ساكناً حيال ذلك السر الخاص الذي يقبع في أعماق وجوده. إن الإنسان، في كل مكان وكل زمان، يسعى لأن يجد تفسيراً لذلك السر أي الموت، ولكنه سرعان ما يتحقق من أن الموت هو ذلك الحدث المجهول الذي يضعنا وجهاً لوجه أمام الأخر الذي لا تفسير له سوى أنه لا يفسر. وقد حاول الفيلسوف هيدجر أن يجهد ذهنه وقلبه وكل كيانه في البحث عن تفسير لذلك السر الذي يغلف وجودنا، حاول ذلك بكل ما أوتى من ذكاء وحكمة وخبرة، فكانت ثمرة ذلك المجهود تفسيراً هاماً عن الموت، الذي قد نتفق أو نختلف معه حيال بعض الأفكار التي جاءت في تفسيره.
الفصل الثاني ماهية الموت عند هيدجر
أولاً: التعريف بالموت 1. الموت ظاهرة يجب فهمها وجودياً الناس من حولنا لهم أفكار غريبة أو ناقصة عن الموت. فالحياة العامة التي نحياها مع الآخرين تعّرف الموت بوصفه حادثاً يقع كل يوم. وهذا هو الالتباس الذي يقع فيه الناس حين يلغون عن الموت، فليس الموت"حدثاً" أو" حالة وفاة" أو" نهاية" تبلغها الأنا بعد أن تقطع عمراً طويلاً أو قصيراً، كما تصور لنا الأنطولوجيا التقليدية، إنما على_ حد تعبير هيدجر_ « ظاهرة يجب فهمها وجودياً». وهذه الظاهرة لا بد من توضيح معناها المتميز وتحديد معالمها. إن الموت في نظر الناس شيء غير محدد، لابد أن يأتي من مكان مجهول يصيب مجهولين، فهو مجرد حادث يصيب كل إنسان ولا يصيب إنساناً بالذات. هو حالة مألوفة وواقع متكرر، ولهذا يهربون منه، يحجبون طابع الإمكان الذي ينطوي عليه وما يتصل به من توحد رهيب ينبع من انعدام كل علاقة واستحالة النجاة منه أو تخطيه. وهم بهذا يحرمون الآنية من أخص إمكانيات وجودها، ويزينون لها أن تضيع في الناس ومسكناتهم المألوفة عن الموت. الموت عند الناس يقيني، محتوم، لا مفر منه، ولكن هذا كله يأتي من تجربتهم بموت الآخرين، بحقيقة معروفة جربها كل الناس قبلنا، وقد تقع لمن نرعاه ونعزيه عنها، ولكنها لم تزل بعيدة عنا مؤقتاً. ومثل هذا اليقين المزعوم يلغي اليقين المميز للموت ويحجبه، يقين إمكانه في كل لحظة، وهو الذي ينبع من إمكانية الوجود الخاصة بالآنية نفسها. يؤكد هيدجر على أن« الوجود الإنساني وجود متناه، وهذا التناهي هو مصدر القول والفعل. وإننا نمارس القول والفعل بالرغم من الموت. فالموت ليس شيئاً عارضاً بل هو نسيج الوجود الإنساني». فليس الموت إذاً حادثاً يطرأ على الحي، بل الحي يحمل الموت بين جوانحه منذ أن بدأ حياته. وإنما يوهم الناس أنفسهم بالفرار من الموت، وذلك بإحالته إلى مجرد وقائع إحصائية لعد الوفيات، أو برده إلى اليقين بأن كل نفس ذائقة الموت، وكأن الموت يهم الناس ولا يهم أحداً بالذات، مع أنه« في الموت يتم الشعور بالفردية إلى أقصى درجة إذ يشعر من يموت أنه يموت وحده لا يشاركه في موته أحد». 2. الموت ليس الثمرة أو القمة العليا لقد اعتدنا أن ننظر إلى الموت نظرة طبيعية، كأنما هو أوج عملية النضج المستمر التي تتحقق عبر مراحل الصبا والشباب والرجولة. ولكن الموت لا يشبه سقوط الثمرة الناضجة. ويمكننا القول أن الفناء من الإنسان ليس كالحصاد من الزرع، لأن الإنسان مهدد بالموت في كل لحظة من لحظات حياته، إن لم نقل منذ بداية حياته. والموت واقعة عرضية قد تتحقق قبل الأوان أو بعده، والشباب اليانع دليل على ذلك، فعندما يصرعهم الموت لا يكونون قد أتموا النضج أو الاكتمال، بينما هو قد يمهل شيوخاً طاعنين في السن فلا يقدم إليهم إلا بعد فوات الوقت المناسب. الموت أيضاً لا يمكن أن يكون أوج الحياة بمعنى القمة العليا التي تبلغها، فهو ليس الثمرة التي تبلغ فيها الحياة تمام نضجها، لأن الحياة لا تبلغ أعلى درجاتها في الموت، لأن الثمرة تمثل التمام بينما الموت تحطيم للحياة وقضاء عليها. وليس الموت وقوفاً للحياة كما يقف المطر، لأنه في الموت لا تختفي الحياة مجرد اختفاء، بل الحياة تنطوي على الموت منذ هي حياة. ولهذا يقول هيدجر:« إن هذا الوجود هو بطبعه وجود لفناء أو وجود للموت. فبمجرد أن يولد الإنسان يكون ناضجاً للموت». ولذا علينا أن نفهم " إمكان الوجود" في كليته ووحدته الشاملة، ولن نفعل هذا حتى ندخل نهاية الآنية في تحليلاتنا. ليس" موتي" واقعة تظهر في ختام حياتي، بل هو واقعة ماثلة في صميم حياتي في كل لحظة، أي هي واقعة لا تكاد تنفصل عن فعل وجودي نفسه. وليس الموت في نظر هيدجر بمثابة فكرة النهاية، بل هو واقعة الانتهاء نفسها. وهذا هو السبب في أن هيدجر لا يرى في الموت عرضاً أوحدثاً يأتي من الخارج ، بل هو يرى فيه إلى إمكانية من إمكانيات الوجود الإنساني. وإذا كان البعض قد ظن أن الموت عند هيدجر هو" استحالة كل إمكانية"، فعليهم أن يعيدوا تصحيح هذه الصيغة ويقولوا إن الموت عنده هو" إمكانية الاستحالة". وهذا يعني أن الموجود الإنساني حينما يتقبل الموت باعتباره أكثر إمكانياته شخصية وفردية وتميزاً، فإنه بذلك يجعل منه حدثاً ذاتياً لا يخرج عن دائرة حريته. الموت إذن لا يعّبر عن اكتمال أو تحقق، لأنه لا يحقق النضوج، إنما الموت هو أسلوب في الوجود لا يكاد ينفصل عن حياة الموجود البشري. فكم من آنية انتهت قبل أن تبلغ الكمال؟ وكم من آنية بلغت الكمال قبل موتها أو انتهت مستهلكة بعيدة كل البعد عن الكمال؟ فكيف يكون الموت نهاية الآنية؟ ويعبر هيدجر عن ذلك قائلاً:« وبقدر ما تكون الآنية _ ما بقيت كائنة_ هي ما ليس بعد، بقدر ما تكون دائما هي نهايتها. والانتهاء الذي نصفه بالموت لا يعني بلوغ النهاية، بل يعني الوجود من أجل الانتهاء». 3. الوجود لأجل الموت الموت ظاهرة من ظواهر الحياة. والحياة أسلوب وجود مرتبط بالوجود في العالم. فكأن الموت هو إمكانية عدم الوجود في العالم أو إمكانية استحالة كل إمكانية. إنه بمجرد أن ينظر الإنسان إلي العالم الموجود، فإن سرعان ما تدب فيه الشيخوخة، وكأنما هو من الهرم بحيث يمكن أن يموت. وبهذا المعني يمكننا أن نقول أن فعل الحياة، بالنسبة إلينا، إنما ينحصر في أننا نحيا موتنا! ولعل هذا هو السبب في أننا قد ننظر إلى الموت وجهاً لوجه، بل قد تعد نهايتنا حاضرة بمعنى ما من المعاني حتى قبل أن تحين ساعة الموت، فيكون تقبلنا للموت في هذه الحالة بمثابة انتظار مستمر للحظة النهاية. إن الموت داخل منذ لحظة الميلاد، ولهذا وجود الإنسان وجود نحو الموت، فعلى حد تعبير هيدجر: «مع الموت يقف الوجود الإنساني أمام ذاته في إمكانيته». فإن وجودي هو وجود نحو الموت، فالموت هو الإمكانية القصوى للإنسان، وهو الذي يطرح التساؤل: ماذا أفعل بوجودي هذا المتجهة نحو الموت؟ إنه علي أن أحول وجودي إلى عمل بتكثيف إمكانياتي حتى يمكن للوجود أن ينكشف، فالموت واقف في انفتاح الوجود. ليس الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يعرف أنه فانٍ فحسب، بل إن الإنسان أيضاً هو الموجود الوحيد الذي يدخل الموت في صميم وجوده باعتباره أعلى ما لديه من إمكانيات. فهذا الحدّ الأليم_ حد الموت أوالفناء أو التناهي_ هو الذي يحدد الوجود الإنساني ويميزه، بحيث قد يكون من الممكن أن نقول أن الوجود البشري بطبيعته" وجود للموت" أو " وجود من أجل الموت"، أي أننا مجعولون للموت. فوجودي هو الشيء الوحيد الذي أملكه، وهو أيضاً الشيء الوحيد الذي أنا معرض لفقدانه في كل لحظة. ليس إذن للانتحار، في نظر هيدجر، أي معنى، فإنه لا يغير شيئاً من طبيعة الوجود الإنساني باعتباره وجود مجعولاً للموت. فإن الذات التي تدرك معنى" الوجود" لا تقدم على الانتحار ولا تتعجل الموت، بل هي تتقبل بحريتها ذلك" التناهي" المستمر الذي هو صميم وجودها. وحينما يعرف الإنسان أن الموت ممكن في كل لحظة ,فإنه يسم بطابعه كل فعل من أفعاله، فإنه قد يشعر بما في الفعل من" بطلان". فإننا نحن نحيا كل يوم موتنا، نحياه في أقوالنا وأفعالنا وعلاقتنا. فالآنية_ من حيث هي وجود_ يجعلها تموت دائماً وبالفعل، ما بقيت موجودة ولم تبلغ نهايتها بعد. ومعنى أنها تموت دائماً وبالفعل في كل لحظة تقع بين الميلاد والوفاة، إنها اختارت بشكل من الأشكال نوع وجودها للموت. ليس الموت براجع إلى نقص في معرفتنا العلمية، أو إلى وجود بعض الثغرات في علوم الحياة، وإنما هو الضريبة الفادحة التي لابد من أن يدفعها الموجود البشري المتناهي حتى يتسنى له أن يحقق مصيره في الزمان. وقد جعل هيدجر من الوجود البشري وجوداً متناهياً يسير نحو الموت، فقال بأن" موتي" هو أعلى إمكانية من إمكانياتي، وتلك هي إمكانية عجزي عن تحقيق أي وجود في العالم. وقد عبّر زكريا إبراهيم عن ذلك العجز، بقولاً معبراً، فقال: إن الموت:« هو مرض ميتافيزيقي لا علاج له! إنها لعنة التناهي التي تخل بالإنسان منذ ولادته، وكأنما كتب عليه أن يموت لمجرد أنه قد ولد! آية ذلك أن الإنسان" يموت"، لا لأنه" يمرض" أو" يهرم" أو" يصاب بحادث"، بل لمجرد أنه" يولد" أو" يعيش"! والموت حق على كل إنسان: فإن ضرورة الفناء لهي_ بمعنى ما من المعاني_ ماهية الحياة ». ويمكننا أن نقول مع هيدجر أن الإنسان لا يوجد إلا في وجه الموت، مادامت الحياة والموت متداخلتين في صميم الوجود الواعي للإنسان. وهذا هو السبب في أننا قد ننظر إلى الموت وجهاً لوجه، ونعد نهايتنا حاضرة. فالموت إذن ليس حدثاً ولا واقعة فحسب، إنما هو يتغلغل في حياتنا كل لحظة من الميلاد إلى الوفاة. 4. الموت هو إمكانية الاستحالة إن هيدجر يرى في الموت« أعلى إمكانية من إمكانيات الوجود البشري» ، فليس الموت عند هيدجر استحالة كل إمكانية بل الأصح هو إمكانية الاستحالة. وهذا يعني أن الموجود البشري حينما يتقبل الموت باعتباره أكثر إمكانياته شخصية وفرادة وتميزاً، فإنه بذلك يجعل منه حدثاً ذاتياً لا يخرج عن دائرة حريته. فعلى الإنسان أن يتمثل للموت باعتباره أعلى إمكانية من وجوده الإنساني. وأننا لا يمكن أن ندرك ذواتنا إدراكاً كلياً شاملاً، إلا إذا عرفنا أنفسنا باعتبارنا موجودات فانية يدخل الموت في صميم إمكانيات وجودها. الموت من حيث هو أعلى إمكانيات هذا الوجود وأشدها خصوصية وتفرداً، هو يختلف عن إمكان وجود شيء من الأشياء التي تحت تصرفنا وفي متناول أيدينا، أن نجدها حاضرة أمامنا. والآنية تسلك إزاءه مسلك الانتظار والتوتر والترقب لإمكانية ستقع يقيناً ولكن في وقت غير معلوم. ولذا يوصف الوجود للموت بأنه استباق إلى الإمكانية، أي إمكانية كل وجود أو" استحالته".إذا كانت حياتنا في صميمها هي سلسلة من المشروعات والتصميمات، أو إذا كان وجودنا هو في جوهره اتجاه مستمر نحو ممكناتنا، فإنه لابد من أن تجيء لحظة نجد فيها أنفسنا بإزاء استحالة كل إمكانية، وتلك هي لحظة الموت. ثانياً: معضلات في طريق الموت 1. موتي أنا إن الكائنات الحية من نبات وحيوان تنتهي، أما الإنسان فهو وحده الذي يموت. لأنه هو وحده الذي يهتم بأعلى إمكانيات وجوده وأخصها، وهي إمكانية استحالته وانتهائه وموته. وإننا نرى الآخرين يموتون، ولكننا لا نختبر بذواتنا معنى الموت بالنسبة إلى الشخص الذي يموت. ويرى هيدجر أنه حينما أتحدث عن واقعة" موتي"، فإنني أتحدث عن واقعة شخصية. فبقدر ما يكون الموت، يكون أساساً موتي أنا. يصعب على الإنسان أن يتصور موته هو، لأن واقعة موته تضطره أن يتصور العالم بدونه، وهذا ما لا سبيل له إلى تصوره! ومن هنا فإنه يظن أن الموت قد يصيب غيره من البشر، هذا الشعور هو أن إحساس الإنسان بالوجود هو من الشدة بحيث أن كل فرد منا لينسب إلى نفسه ميزة البقاء. وعبر زكريا إبراهيم عن هذا قائلاً:« لماذا كتب علي أن أموت وحدي؟! يخيل إلي أنه ليس أقسى على نفس المحتضر من أن يشعر أنه يموت وحده، وأن العالم مستمر من بعده، دون أن يحفل بغيابه في كثير أو قليل! أليس في الموت وحدة أليمة تزيد من هوله. وتجعل منه واقعة فردية أليمة ». يتم في الموت الشعور بالفردية إلى أقصى درجة، فيشعر الإنسان الذي يموت أنه يموت وحده لا يشاركه في موته أحد، وعلى حد تعبير هيدجر:« ما من أحد ينوب عن الآخر أو يحمل عنه موته». فيستحيل أن ينوب عني أحد كما يحدث في أسلوب حياتنا اليومية مع الآخرين. فقد حتم على الآنية أن تتحمل موتها بنفسها. ولا يستطيع أحد أن يحمل عنها عبء موتها فيقوم بالموت بدلاً منها. فبهذا المعنى موتي أنا هو المشكلة، فحينما أفكر في أنني لا محالة مائت، وأنني لابد من أن أموت وحدي، فإن الجذع يستولي على نفسي، حتى لا أكاد أن أتصور نفسي ميتاً حياً في أعماق قبر مظلم ساكن! والواقع أنني أرى الآخرين يموتون، فلا تلبث شخصياتهم أن تستحيل إلى" موضوعات"، وهذا التحول نفسه هو عندي من مصادر رهبتي من الموت! أجل فإنني حتى الآن أشعر بذاتي، وأخلق بذاتي، وأبدع لنفسي من القيم ما أشاء، فإذا ما دهمني" الموت"، استحالت ذاتي إلى" موضوع"، وأصبحت بجملتي ملكاً" للآخرين". 2. الموت والقلق إن الإنسان هو الكائن" القلق"، فهو يسأل دائماً عن الحياة ومعناها، وعن وجوده من حيث معناه. وحينما يعبر هيدجر عن الطابع الوجودي للموجود فيقول:« إن الاستباق( إلى إمكانية الاستحالة أو انعدام كل إمكانية) يكشف للآنية عن ضياعها في" آنية الناس"، ويدفع بها_ دون اعتماد على الرعاية والاهتمام من جانب الآخرين_ إلى إمكانية أن تصبح هي ذاتها، ولكنه يدفعها أيضاً إلى الحرية من أجل الموت، هذه الحرية المتوقدة بالحماس، الخالص من أوهام الناس، الحرية الفعلية الموقنة بنفسها والقلقة من نفسها». هيدجر في حديثه عن" القلق" Angst لا يتحدث عن مفهوم عقلي أو تصور ذهني، بل هو يتحدث عن شعور حي أو عاصفة وجودية تضعنا وجهاً لوجه بإزاء ذلك" العدم" الأصلي الذي يكمن من وراء وجودنا. فإن القلق هو الذي يكشف لنا، بطريقة يقينية مباشرة، أن وجودنا متناه، عرضي، عديم الثبات. فإن القلق موضوعه ذلك" العدم" الكامن فيما وراء وجودنا، والذي هو بمثابة فاعلية باطنة هدامة. وإن ما يولد فينا القلق هو العالم نفسه، أو هو واقعة" وجودنا في العالم"، فإننا هنا بإزاء وقعة محض، عارية، لا هوادة فيها ولا رحمة. فإن القلق لابد من أن يكشف لنا عن طابع وجودنا، باعتبارنا موجودات متناهية قد جعلت للموت. إذاً القلق الذي تشعر به الآنية إزاء الموت هو القلق إزاء أخص إمكانيات وجودها التي تجردت من كل علاقة واستحالت على كل تخط أو نجاة. وما يقلق منه القلق هو الوجود_ في_ العالم نفسه. وما من أجله يقلق هو إمكان وجود الآنية. يجب أن نفرق بين" القلق من الموت" وبين" الخوف من انتهاء الحياة"، فليس هذا القلق هو حالة تنتاب الفرد، وإنما هو تأثر وجداني أساسي للآنية، وهو انفتاح على حقيقة كونها وجوداً" مرمياً" ملقى به، موجودا لأجل موته.و" القلق" ليس هو" الخوف"، لأن الخوف هو دائماً خوف من شيء معين، أما القلق فيتعلق بالأشياء كلها في مجموعها. إن ما نقلق عليه في القلق هو العدم الماثل في الأشياء والأحياء، إذ نشعر في القلق بأننا نحن وكل الأشياء والأحياء قد انزلقنا في هاوية غامضة غير محددة. ومن المفيد هنا أن نذكر هذا "القلق" يسمى عند علماء النفس" القلق الوجودي"، أي القلق الذي يشعر به الإنسان إزاء وجوده وكيف يحيا وجوده؟ إن القلق عند هيدجر نابع من العدم المحيط بالوجود بل والمتناسج في الوجود. فإن القلق لابد من أن يكشف لنا عن طابع وجودنا، باعتبارنا موجدات متناهية قد جعلت للموت. فالقلق من الموت هو ما يشعرني بالفردية إلى الحد الأعلى من الشعور. ومن هنا كان هذا القلق أعلى ما يكشف عن الوجود الذات الحقيقي. هيدجر إذاً اعتبر "القلق" معين للإنسان على أن يحيا وجوده وجوداً أصيلاً. 3. الموت والعدم في كفاح الإنسان من أجل البقاء لا بد أن يصطدم بخصم لم ولن يقهره أحد من البشر، وهو الموت. وهذا الموت يرتبط بموضوع هام ألا وهو" العدم"، فإن مشكلة العدم_ في نظر هيدجر_ هي المشكلة الميتافيزيقية الأولى، فذلك لأن من شأنها أن تضعنا( نحن السائلين) موضع السؤال. إن فكرة العدم تكاد تكون داخلة في صميم الوجود البشري باعتباره تساؤلاً ميتافيزيقياً، فوجودنا نفسه ينطوي في صميمه على تساؤل مستمر عن حقيقة ذلك العدم الذي يتهددنا باستمرار. وهذا ما يشرحه لنا وجودنا ذاته، فهناك عاطفة الملال من كل ما في الحياة من أشياء وأحياء، وهذا يكشف لنا عن العدم، عدم الحياة. وهناك أيضاً عاطفة القلق، فإن ما نقلق عليه في القلق هو العدم الماثل في الأشياء والأحياء. مادامت حياتنا سيراً مستمراً نحو الموت، فإننا لا بد من أن نعلو على ذواتنا متجهين نحو ذلك" العدم" الذي قد جعل منه كل شيء. فليس إذاً" العدم" مجرد مفهوم مقابل لمفهوم" الوجود"، بل هو من مقومات الوجود نفسه باعتباره داخلاً منذ البداية في صميم ماهيته. ويقرب هيدجر فكرة العدم من فكرة الوجود، فهو يقول إن ما ندركه حينما نتمثل العدم إنما هو الوجود نفسه! وهذا التناقض يدل على أن مشكلة الوجود_ كما قال هيدجر نفسه_ لا تقبل الحل، أو هي على أقل تقدير لا تقبل أي حل عقلي. يقول هيدجر:« إن العدم ينكشف في القلق، ولكن ليس كوجود، إن العدم يكشف نفسه في القلق ومن خلال القلق… في القلق يجري مواجهة العدم… في الليل الجلي للعدم الخاص بالقلق فإن الانفتاح الأصلي للموجودات كموجودات ينبثق… إنها موجودات وليست عدماً… إن ماهية العدم العادم الأصلي يكمن في أنها التي تحضر الوجود الإنساني لأول مرة أمام الموجودات كموجودات». يظهر العدم كشرط لتحقيق الوجود أو لانكشافه، لأن العدم يظهر لي في كل فعل من أفعال الوجود، فإن العدم ينفذ في كل الوجود ويتفشى فيه. ويكفي مجرد أن تنبيه الاهتمام إليه لكي ينكشف لي في كل فعل. فليس القلق هو الذي يوجد العدم، إن صح التعبير، بل هو فقط الذي ينبه الإنسان إلى وجوده. 4. الموت والوجود الأصيل يقول هيدجر:« إذا كان على الإنسان أن ينبعث من الخسران إلى الأصالة، فإنه لن يستطيع أن يكون هكذا إلا في عزلة عن الحشد أو الناس الذين يغتصبونه يشتتونه؛ والموت وحده أو العلاقة بالموت هي التي تحقق مثل هذه العزلة لأن موتي هو الحادثة الوحيدة في حياتي التي هي خاصة بي بشكل فريد ومطلق» . فيتصور هيدجر أن الموت هو شرط ضروري للوجود الحقيقي، وعند إدراك هذا يسهم في اغتراب الإنسان؛ إن الموت يدعونا إلى أن نغير نظرتنا إلى الواقع المباشر فيبدو في ضؤ الموت وكأنه ليس واقعاً. وهذا الإدراك يساعد على الخروج من حالة التشؤ والتشتت في الموجودات. إن قدرة الآنية على استباق ذاتها إلى ما لم يوجد بعد وإن كان ينتمي إليها بالفعل_ أي الموت_ هذه القدرة على أن تكون في المستقبل؛ هي التي تمكنها من الرجوع زمنها المنقضي وصونه من الضياع. فكأن استشعار الموت والإحساس بالنهاية هو الذي يحي الماضي ويعيدنا إلى ذكرياته… وعن طريق الاستباق إلى الموت أو النهاية، تجد الآنية نفسها في موقف؛ فتتعامل مع الوجود تعاملها مع شيء تشغل به، وتتيح له أن يلتقي بها وجها لوجه. وحينما يعرف الإنسان أن الموت ممكن في كل لحظة، وأنه يسم بطابعه كل فعل من أفعاله؛ فإنه قد يشعر بما في الفعل من" بطلان" . لا يعني كل ما سلف أن هيدجر يدعونا إلى التهرب من أعمالنا العادية، والانصراف عن مهامنا اليومية؛ بل إننا نراه يقرر على عكس من ذلك أنه لا بد للإنسان من أن يشد كل قواه، ويعي كل إمكانياته، للاضطلاع بالمسئولية الملقاة على عاتقه. إن هيدجر لا يريد لمشاغلنا العادية أن تستأثر بفكرنا فتصرفنا عن التفكير في الموت والعمل على انتظاره، ولذلك نراه يقول إن الذات الواعية لا تقبل أن تكون فريسة لخداع المشاغل اليومية؛ بل هي تعرف كيف تعطي كل شيء قيمته، وربما كانت القيمة الوحيدة لمشاغل الحياة العادية هي أنه ليس لها على وجه التحديد أدنى قيمة. فعلينا أن ندرك تمام الإدراك معنى وجدنا، وندخل الموت في حياتنا باعتباره جزء منها وهذا بدوره يسهم في أن نحيا وجودنا حياة حقيقية أصيلة. ولذا لابد للإنسان من أن يعيش في القلق لينتبه إلى حقيقة الوجود. ذلك أن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرار من وجه العدم الماثل في صميم الوجود، وذلك بالسقوط بين الناس وفي الحياة اليومية الزائفة، ولكي يعود إلى ذاته لا بد من قلق كبير يوقظه من سباته وهو التفكير في" إمكانية الاستحالة" أي" الموت" . خــاتمــة « تنتابني أحياناً نوبات من كراهية الحياة وأشعر بالارتياح حين أفكر بأن ثمة نهاية لهذا الوجود الصعب، وفي تلك اللحظات تثقل علي الأفكار» ، إن هذا ما صرح به فريدريك نيتشه، معتقداً أن نهاية وجوده هو بمثابة مصدر ارتياح له من الوجود الصعب الذي يقلقه. فإننا مثله كثيراً ما نخشى الحياة نفسها، لأننا نشعر بأن استمرار الحياة هو في صميمه انقضاء للزمان، وانقضاء الزمان معناه السير الوثيد نحو الموت أو الانحدار السريع نحو هاوية العدم. ولعل هذا ما حدا ببعض المفكرين إلى القول بأن الحياة، إنما هي الموت نفسه، لأن الإنسان يشرع في الموت بمجرد ما يولد. وقد أوضح هيدجر أن الموت ظاهرة يجب أن تفهم وجودياً، وأكد على أننا نحيا موتنا؛ وعندما تقابلني إمكانية الاستحالة، التي يستحيل معها كل إمكانية، حينئذ يكون هذا هو موتي. ولهذا هو يدعونا أن نحيا وجودنا بطريقة جادة فيصبح وجودنا ذا قيمة، وما يدفعنا إلى ذلك هو إعطاء الموت مجالاً حقيقياً في حياتنا. وختاماً نود أن نؤكد أننا مهما تحدثنا وتجادلنا بشأن حدّ الموت، فإنه سيظل" موضوعاً" لا يمكن أن نسبر أغواره طالما أننا لم نعبر به؛ والحقيقة المرة أن من مرّ بهذه الخبرة لم يعد إلينا ثانية ليخبرنا بشيء، بل صمت! ونحن مازلنا نفكر ونتجادل بشأن تلك الخبرة التي لم نجتازها بعد. قائمة المصادر والمراجع أولاً: المصادر 1_ الموسوعة العربية الميسرة، محمد شفيق غربال، القاهرة، 1965. 2_ الموسوعة الفلسفية، م. روز. نتال وب. يودين، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، 1981. 3_ المعجم الفلسفي، مراد وهبة، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1979. ثانياً: المراجع 1_ أ. ه. شابمان وميريان شابمان. سانتان، « شبح نيتشة يطارد فرويد»، ترجمة عبد المقصود عبد الكريم، مجلة سطور 24( 1998). 2_ زكريا إبراهيم، الفلسفة الوجودية، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1956. 3_ زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان،( = مشكلات فلسفية، 7)، مكتبة مصر، القاهرة، 1971. 4_ زكريا إبراهيم، مشكلة الحياة، (= مشكلات فلسفية، 7)، مكتبة مصر، القاهرة، 1971. 5_ سيد توفيق، « كتب العالم الآخر عند قدماء المصريين»، مجلة فكر 11( 1988). 6_ عبد الرحمن بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1961. 7_ مارتن هيدجر، نداء الحقيقة، ترجمة عبد الغفار مكاوي، (= النصوص الفلسفية، 9)، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1977. 8_ مارتن هيدجر، ما الفلسفة، ترجمة فؤاد كامل ومحمود رجب، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1974. 9_ مجاهد عبد المنعم مجاهد، هيدجر راعي الوجود،( = المغتربون، 1)، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1983. 10_ كريستيان فان نيسبن، علم الإنسان، كلية العلوم الإنسانية واللاهوتية، القاهرة، 20/ 11/ 2001.   ماذا يعني التفكير؟» للفيلسوف الألماني مارتن هيدجر ... الشعر هو الماء الذي يجري الى الوراء (عن الحياة) ماذا يعني التفكير؟» للفيلسوف الألماني مارتن هيدجر ... الشعر هو الماء الذي يجري الى الوراء الجزائر - بشير مفتي الحياة - 21/02/09//

اخرى

هيدجر يرى أن الزمنية هي منطلق الخبرة الخارجية لأن الإنسان كائن زمني (له ماض يملكه بوصفه حاضرا سيقوم عليه مستقبله.. فالزمان يجب أن يتصور كأفق لكل الوجود) لأنه لا يمكن أن يتصور الوجود إلا انطلاقا من زمنية الإنسان الموجود الذي يقاس عليه فالمعرفة القبلية (الخبرة الخارجية) تحققت بفعل الزمان وبها يعرف الموجود الوجود. [21]
" النخبة " الإجتماعية هي إمكانية بعض الناس في إنتزاع أنفسهم " من " اللا أصالة ، (أو الخطيئة الأصلية بوصفها إخفاقه لذاته) ، قرار الاختيار بين أن يأخذ المرء مصيره على عاتقه، أو أن يعامل بوصفه رقما. لأن كل إنسان حر أصيل وبدون إستثناءً, ولا توجد اختلافات إلا بالقدر الذي يكـون فيه قادرا على تطوير هذه الحرية منذ ميلاده . فبالرغم من ان الناس متساوون في إمكانات حريتهم، إلا أن قدرتهم متفاوتة في استعمالها بشكل أصيل، وفقط النخبة تنتهز فـرصة هذه الإمكانية. هيدجر جعل الأصالة تبدأ بإدراك اللاأصالة. فالإنسان-الأداة هو الذي ينطمر في الوجود اليومي, لإنجاز وظيفة كما الآخرون وبنفس قدرتهم ، فهو عنصر قابل للإبدال دائما. فإزدواجية انماط الوجود هي بين ما يجد سبيلا إلى " الوجود الأصيل " وبين من يترك نفسه لوجـود " غير أصيل " مسؤلا عما هـو عليه بسبب عدم قدرته على إنتزاع نفسه من الوجود اليومي واستغلال إمكاناته وبالتالي يحكم عليه بـ " الإنحطاط " و " الرعاية الإجتماعية ". [22]
  • التأمل في فلسفة هيدغر يكشف عن ما هو مشترك بينه وبين نيتشه: تحطيم الميتافيزيا الغربيه وقيمها العقلانيه . وهكذا فإن هيدغر قد اتُهم بأنه نبي العاطفيه وعدو المنطق والعلم . يقول هيدغر: " إذا أردنا لأنفسنا أن نصل إلى مرتبة الوجود الأصيل فلا بُدّ لنا من أن نرتد إلى ذواتنا لكي نأخذ على عاتقنا مسألة وجودنا " وهنا يلتقيان الشاعر والفيلسوف – الشاعر رينيه شار والفيلسوف هيدغر في قصيدة محمود درويش :
" النظر إلى اللغة على انها وسيلة جديده كما نجد عند جان بولان وغيره حيث ينفرون من الأشكال البلاغيه المألوفة ... " [23]

مصادر

  1. ^ مارتن هيدجر/ أشرف ناجح إبراهيم
  2. ^ خطاب ما بعد الحداثة انحلال الحتمي واغراء المختلف/ محمد حافظ دياب
  3. ^ هيجل جعلَ مقولات كانط مقولات أنطولوجية لا مجرد إبستمولوجية. أي أنها أصبحت مقولات ليست خاصة فحسب بالعقل البشري , بل بالعقل الكوني , وهنا بارمنيدس اعتبر الوجود عقلا .. وأن ما ليس ماديا متغيرا فهو عقلي, كينونة ثابتة, فلو تحركت لانتقلت إلى عالم الكون والفساد. فالذي يتغير تنعدم فيه أشياء وتظهر فيه أشياء.
  4. ^ القضيه تحتوي على حكم والحكم هو المعنى الذي يستخلصه الذهن من كلمات القضيه. مكونات القضيه: * الموضوع: وهو حد منطقي نُخبر عنه مثل ( الفاكهه طازجه) "فالفاكهه" هي الموضوع. * الموضوع يجب ان يكون اسماً. * المحمول: هو حد منطقي نخبر به. مثل الحد " طازجه" في المثال السابق هي المحمول. * المحمول يمكن ان يكون اسم او فعل او صفه.
  5. ^ هيدجر وأشكالية مفهوم الوجود/ هيبت بافي حلبجة
  6. ^ هايدغر الفيلسوف الوجودي/ بولس الخوري
  7. ^ الهيرمينطيقا فن التأويل, التأويل التراثي الرمزي: وهو تأويل إطلاقي يحتكر المعنى ويحوله إلى عقيدة ويعتمد التعالي الميتافيزيقي أي كشف نية المؤلف
  8. ^ الاجتثاث الفينومينولوجي للانطولوجيا/عمر التاور
  9. ^ الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة /عبد الفتاح الديدي/1966
  10. ^ ماهية الاثر الفني/ محمد مساعدي
  11. ^ هيدغر و مسالة الوجود
  12. ^ هيدغر و مسالة الوجود
  13. ^ هايدغر الفيلسوف الوجودي/ بقلم: بولس الخوري/ثلاثون عاماً على رحيل هايدغر.. بين الكون والكائن
  14. ^ الوجودية .. واشكالية الماهية/ ضمد كاظم وسمي
  15. ^ إسهام هيدجر اللغوي «1»/ شايع بن هذال الوقيان
  16. ^ أصل العمل الفني لهايدغر. الفنُّ يصنع للأشياء حقيقتها/ جودت فخر الدين
  17. ^ هيدغر و مسالة الوجود/شبكة الملحدين العرب
  18. ^ هايدغر نداء الحقيقة/ ترجمة عبد الغفار مكاوي/1977
  19. ^ هيدجر والبحث عن أصالة الذات/ زهير الخويلدي
  20. ^ شذرات سريعة عن هيدجر
  21. ^ http://www.alefyaa.com/?p=4665
  22. ^ http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=337032&g_q=%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D9%87%D9%8A%D8%AF%D8%AC%D8%B1%20%22%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A7%D8%A9%22
  23. ^ أدب الطفل العربي/ بين الدراسة والابداع / د. نعيم عرايدي